في العادة تركز وسائل الإعلام والرأي العام العالمي على انتخابات الرئاسة الأمريكية، في حين يبقى الاهتمام بانتخابات الكونغرس ذات الأهمية هي الأخرى استثناءًً. ويصبح الاستثناء أكبر في حالة الانتخابات المحلية.
في تشرين الثاني 2025 فاز زهران ممداني، عضو منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، والبالغ من العمر 34 عامًا. عزز فوزه المفاجئ، نجاحات الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين وحلفائهم التقدميين في الكونغرس في إطار "الكتلة التقدمية". واعتبره الكثير من المراقبين مؤشرا لموجة يسارية جديدة في السياسة الأمريكية. وتأتي أخبار الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي لاختيار مرشحي انتخابات تشرين الثاني المقبل، لتعزز هذا التقييم.
تختلف التقييمات الفكرية والسياسية، لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، التي لها خصوصيتها الفكرية والسياسية اليسارية في إطار الحزب الديمقراطي الأمريكي، فاليساريون المتشددون يرفضون وصفها باليسارية ويكتفون باعتبارها منظمة ديمقراطية اجتماعية، وهناك أوساط في اليسار العالمي تصفها بالتقدمية، في حين تراه أوساط أخرى في المنظمة جزءا لا يتجزأ من اليسار الأمريكي، الذي نجح في اختراق احتكار العمل داخل قبة الكونغرس الأمريكي من قبل الحزبين المهيمنين الجمهوري والديمقراطي، والرأي الأخير هو الأقرب للموضوعية، انطلاقا من نسبية مفهوم اليسار، وارتباطا بتحليل الظرف الملموس القائم في السياسة الأمريكية وإمكانيات اليسار المتاحة فيه.
موجة يسارية
في الأسبوع الفائت، فازت المحامية ميلات كيروس، البالغة من العمر 29 عامًا والمنحدرة من أصل إثيوبي، في دنفر، كولورادو. في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس النواب، تنافست كيروس مع ديانا ديجيت، التي شغلت منصب ممثلة الدائرة الأولى في كولورادو منذ عام 1997. لقد كانت ديجيت، البالغة من العمر 68 عامًا، جزءًا من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، مع استثناءات تتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية وقبول التبرعات من جماعات اللوبي الكبيرة.
وشهدت نيويورك، في نهاية حزيران، وضعاً مماثلاً. لقد فاز ثلاثة مرشحين مدعومين من مامداني - براد لاندر، ودارياليزا أفيلا شوفالييه، وكلير فالديز، على أعضاء حاليين في البرلمان، وعلى المرشح الذي كان من المفترض أن يخلف عضواً متقاعداً. وهنا أيضاً، خسر المرشحون الذين يحظون بدعم المؤسسة السائدة في الحزب الديمقراطي واللوبي الصهيوني، أمام مرشحين ذوي توجهات طبقية ومؤيدين للفلسطينيين.
وتأتي هذه الانتصارات المهمة والمفاجئة، وفقًا لوسائل الإعلام الأمريكية ومنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين بعد انتخابات تمهيدية في 38 دائرة محلية وإقليمية ودوائر مدن ناجحة أجريت في عام 2026. ويُتوقع المزيد من النجاحات في الدوائر الـ 74 المتبقية.
شباب برؤية طبقية
يبرز نجمان صاعدان في ميشيغان، هما "أبو السيد" (41 عامًا)، وفرانشيسكا هونغ (37 عامًا) في ويسكونسن. سيخوض كلاهما الانتخابات في آب المقبل: "أبو السيد" في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ، وهونغ لمنصب حاكم الولاية. وهي الوحيدة المنتمية إلى المنظمة، بينما يُعتبر الثاني صديقا لها ويحظى بدعم ألكساندرا أوكاسيو-كورتيز، إحدى أبرز الشخصيات السياسية قيها.
أغلبية مرشحي المنظمة شباب نسبيا، من أصول مهاجرة، ويحظون بدعم حركات شعبية محلية. هم تقدميون اجتماعياً بشكل واضح، لكنهم استخلصوا العبر من تجارب العقد الفائت، فتجنبوا الانغماس في صراعات ثقافية حادة. تركز حملاتهم الانتخابية على الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها عامة الناس، وعلى رأس أولوياتهم: توفير السكن بأسعار معقولة والتأمين الصحي للجميع. وهم بهذا يحذون حذو تجارب اليسار الأوربي الناجحة في النمسا وبلجيكا وألمانيا.
تضامن مع الشعب الفلسطيني
يعتمد مرشحو منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين على التبرعات الخاصة والعمل التطوعي، بدلا من تبرعات الشركات الكبرى. ويلعب ممداني بعد نجاحه المفاجئ دورا مؤثرا في دعم المرشحين، على الرغم من الدور السياسي المحدود نسبيا لعمدة مدينة. ويعتبر إضافة مهمة للدور الذي يلعبه سياسيو المنظمة المؤثرين مثل أوكاسيو-كورتيز والمرشح الرئاسي السابق بيرني ساندرز.
يؤيد معظم المرشحين القضية الفلسطينية، وخصوصا الشباب منهم. فهم يتحدثون علنًا عن الإبادة الجماعية في غزة، وينتقدون دعم الحكومة الأمريكية غير المشروط، لدولة الاحتلال ويدينون نشاط اللوبي الصهيوني، ويتعرضون للقمع. لرفضهم الإجراءات ضد الطلاب المحتجين. أما أفيلا شوفالييه، مثل مامداني، فقد كانت ناشطة في الحركة المؤيدة للقضية الفلسطينية منذ أيام دراستها الجامعية، وشاركت في اعتصام جامعة كولومبيا الاحتجاجي عام 2024، والذي تم فضه بالقوة.
لقد تعلم "الاشتراكيون الديمقراطيون" ليس مواجهة ترامب والحزب الجمهوري فقط، بل أيضاً مواجهة اليمين السائد في الحزب الديمقراطي، الذي ينتقدون تقاعسه في معارضة سلطة الجمهوريين. ويتمثل نهجهم في دفع الحزب نحو اليسار من الداخل، تحت شعار "إعادته" إلى أيدي الطبقة العاملة في الولايات المتحدة. ويُثار جدل حاد داخل اليسار الأمريكي حول ما إذا كان هذا النهج الإصلاحي قادراً على تحقيق تقدم طويل الأمد.