يستعد الفلاحون الهنود لجولة جديدة من النضال. فقد قررت "الجبهة الزراعية لعموم الهند" في بداية تموز الجاري الانضمام إلى الاحتجاجات التي ستعم البلاد في 10 آب، تحت شعار: "إغلاق القطارات، إغلاق الطرق، ملء السجون". وكانت "جبهة المزارعين المتحدين"، وهي منظمة جامعة لأكثر من 100 منظمة فلاحية، التي قادت الاحتجاجات الزراعية التاريخية في الهند خلال سنوات 2020 -2021، قد دعت الى الاحتجاج والتعبئة لتحقيق سلسلة من المطالب، من بينها ضمان حد أدنى قانوني لأسعار الحبوب، وإلغاء عام لديون الفلاحين. كما تدعو الجبهة إلى مقاومة اتفاقية التجارة الحرة المرتقبة مع الولايات المتحدة، والتي تصفها بالتنازل عن سيادة الهند الغذائية.
تصاعد الصراع
لم تتوقف احتجاجات الفلاحين في الهند خلال السنوات الخمس الماضية، لكن الصراع تصاعد، منذ أن اتفقت الهند والولايات المتحدة على إطار اتفاقية التجارة الحرة في مطلع العام الحالي. فقد قوبلت الاتفاقية بمقاومة شديدة من قبل منظمات الفلاحين والأحزاب الشيوعية. فإلى جانب تحديد سياسة الهند الدفاعية وسياسة الطاقة، تنصّ الاتفاقية أيضاً على خفض الهند للرسوم الكمركية على المنتجات الزراعية الأمريكية الواردة الى الهند، وإلغاء الدعم الحكومي للفلاحين الهنود والقطاع الزراعي برمّته. لقد وصفت الأحزاب الشيوعية في الهند، في وقت مبكر من شهر شباط، هذه البنود بالاستسلام التام للشركات الزراعية الأمريكية العملاقة. ودعت إلى احتجاجات في جميع انحاء البلاد، لان الفلاحين الهنود سوف لن يكونوا قادرين على منافسة المنتجات الأمريكية المستوردة.
الغاء الدعم الحكومي
الجانب الأكثر سوءًا، هو أن الاتفاقية الإطارية تسعى إلى إلغاء البرنامج الحكومي لدعم أسعار المنتجات الزراعية. بموجب هذا البرنامج، تشتري الحكومة الهندية المنتجات الزراعية مباشرة من الفلاحين بسعر ثابت، لحماية سبل عيشهم من تقلبات السوق. كما يُعدّ البرنامج شريان حياة لأكثر من 800 مليون هندي فقير، إذ يسمح للحكومة بإعادة بيع المنتجات الزراعية المشتراة من الفلاحين بأسعار زهيدة للمستهلكين. وبهذا المعنى، تُشكّل محاولة إلغاء برنامج الدعم الحكومي هجومًا مباشرًا على الأمن الغذائي للهند. ويأتي هذا، في وقت، تتعرض الهند منذ فترة طويلة لضغوط دولية لتقليص دور الدولة في قطاعي الغذاء والزراعة. وتشير التقارير إلى أن الهند والولايات المتحدة في المراحل النهائية من وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية الإطارية.
سياسة انفتاح يمينية
تُعدّ الاتفاقية الإطارية استمرارًا لجهود حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي اليمينية القومية لفتح القطاع الزراعي في الهند أمام الأسواق الخارجية. ففي عام 2020، قدّمت حكومة مودي، بطريقة غير ديمقراطية، ثلاثة مشاريع قوانين زراعية تهدف إلى تقليص دور الدولة في شراء المنتجات الزراعية، وفتح السوق الهندية أمام المنتجات الزراعية الأجنبية، والسماح للجهات الأجنبية والخاصة بالشراء مباشرة من الفلاحين الهنود، مما يُعرّضهم لتقلبات السوق الدولية. وقد خشي الفلاحون من أن الغاء التزام الحكومة بدعم شراء الحبوب، سيقوم القطاع الخاص الأجنبي والمحلي بتخفيض أسعار شراء الحبوب بشكل كبير. وكانت هذه المشاريع الثلاثة بمثابة الشرارة المباشرة التي أطلقت احتجاجات الفلاحين المليونية، التي استمرت عامًا كاملًا، والتي تُعتبر أكبر احتجاجات في التاريخ، حيث وصل عدد المشاركين فيها في بعض مراحلها الى 250 مليون متضرر.
تنوع وتوسع الاحتجاجات
مع تصعيد الطبقة الحاكمة في الهند لهجمتها على الطبقة العاملة، شهدت البلاد أخيرا تصاعدًا في الاحتجاجات من مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية، بما في ذلك العمال والطلبة وجماعات السكان الأصلية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك إضراب عمال المصانع في محيط دلهي للمطالبة بأجور أعلى، وتجدد احتجاجات الطلبة ضد البطالة والفساد. ووصف إلارام كريم، السكرتير العام لمركز نقابات العمال الهندية، أحد أكبر النقابات في البلاد، هذه التطورات بأنها "بداية فصل جديد في تاريخ البلاد"، وصرح بأن "نضالات مماثلة من المرجح أن تندلع في جميع أنحاء البلاد"، كما ذكرت جريدة "ديمقراطية الشعب". وتتوقع "جبهة الفلاحين المتحدة" أيضًا مشاركة النقابات العمالية في احتجاجات الفلاحين في 10 آب. ولهذا الغرض، تنظم المنظمة الجامعة مؤتمرًا وطنيًا للعمال والفلاحين في دلهي في 29 تموز الحالي.
ومن التذكير ان الاقتصاد العراقي الذي يعاني من فوضى شديدة، ويغيب عنه التخطيط تنتظره خطط مماثلة قائمة على الخصخصة، وبيع ما تبقى من مؤسسات القطاع العام الى الشركات الامريكية، وسيادة سياسات ليبرالية جديدة، تحت ما يسمى بـ "الإصلاح"، في ظل التحول في موازين الصراعات الجيوسياسية الإقليمية والدولية على حساب العراق بلدا وشعبا.