اخر الاخبار

منذ اختطاف الرئيس الفنزويلي المنتخب نوكلاوس مادورا في 3 كانون الثاني الفائت من قبل قوات الدلتا الأمريكية. يدور نقاش حول سلوك الحكومة الفنزويلية المؤقتة، وطبيعة علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، فهناك من رأى في تفاعلها مع القرصنة الأمريكية وسيلة للحفاظ على البلاد، وتجنيبها غزو أمريكي كاسح، في حين رأت قوى يسارية فنزويلية وعالمية، أن ما يجري هو تخلي عن مثل تجربة الرئيس الفنزويلي اليساري الراحل شافيز، وانخراط في عملية واضحة، تحولت بموجبها فنزويلا من بلد مناهض للإمبريالية إلى بلد تابع، أعيد استعماره ثانية وفق مبدأ مونرو الأمريكي، الذي أعتبر قبل 200 عام العالم الجديد منطقة مصالح أمريكية، يجري العمل منذ عدة سنوات على استعادتها بشكل مباشر عبر القرنصة والانقلابات البرلمانية، وبشكل غير مباشر عبر عودة قوى  اليمين المتطرف الفاشي إلى السلطة في العديد من بلدان القارة التي شهد العديد منها تجارب يسارية مناهضة للنفوذ الأمريكي. ويبدو أن سلسة ما يحدث في فنزويلا يؤكد الرؤية اليسارية بشأن خضوع فنزويلا للهيمنة الأمريكية، كمستعمرة نفطية بامتياز.

بيع علني لاقتصاد البلاد وسيادتها

جاء "الاتفاق" الذي أعلن عنه ترامب الجمعة الفائت ليؤكد هذه الحقيقة. لقد احتفى الرئيس الأمريكي "بالاتفاق"، واصفاً إياه بأنه "أكبر صفقة نفطية في التاريخ". أما نظيرته في كاراكاس، فقد وصفت "الاتفاق" بأنه "اتفاق تاريخي". إلا أن مواقع يسارية، قالت ان الاتفاق يحمل "سمات استعمارية".

أعلن ترامب على منصته "تروث سوشيال" قائلاً: "بتوجيهات مني، قام وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث، بالتعاون مع الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، ديلسي رودريغيز، التي تحظى باحترام كبير، ومن خلال تحالف مع شركات خاصة، بتأمين سيطرة أمريكية على أكثر من 65 مليار برميل تمثل 20 في المائة من احتياطيات النفط المؤكدة في فنزويلا، دون تحميل دافعي الضرائب الأمريكيين أية تكلفة". وأضاف مبتهجاً أن هذه الصفقة "ستزيد احتياطيات النفط الأمريكية إلى أكثر من الضعف، وستخفض بشكل كبير سعر البنزين للمواطنين الأمريكيين لسنوات عديدة قادمة". وتأتي هذه الصفقة قبيل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني، ومعاناة المستهلك الأمريكي من ارتفاع أسعار الوقود، جراء الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وانخفاض شعبية ترامب بشكل كبير.

تبرير الحكومة الفنزويلية

من جانبها، وصفت الرئيسة الفنزويلية المؤقتة رودريغيز اتفاقية الطاقة بأنها "خطوة استراتيجية لتحويل الموارد الطبيعية للبلاد إلى رفاهية اجتماعية وتنمية صناعية واستقرار اقتصادي". وأشارت إلى استثمارات تتجاوز 100 مليار دولار أمريكي، وعائدات ضريبية تزيد عن 209 مليارات دولار أمريكي. وصرحت قائلة: "أعرب عن خالص امتناني لرئيس الولايات المتحدة، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والحكومة الأمريكية لدعمهم في صياغة هذه الاتفاقية، التي تمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الثنائية بين فنزويلا والولايات المتحدة". واضح جدا أن الموقف الرسمي الذي عبرت عنه رودريغيز، يمثل في أحسن الأحوال حالة عجز كاملة، وتخلي عن سيادة البلاد وحقوق الشعب الفنزويلي ثرواته المادية. وهناك تقارير تتحدث عن إمكانية انسحاب فنزويلا من منظمة البلدان المصدرة للنفط(أوبك).

وأكدت رودريغيز، أن المشروع الذي يمتد لخمسة وعشرين عامًا قائم على "مبدأ التكامل"، في حين تتحدث المصادر الأمريكية عن أن الاتفاقية، التي لم تنشر تفاصيلها، تمتد لمئة عام قادمة. ورفضت الرئيسة المؤقتة التكهنات حول نقل الأصول. وستساهم فنزويلا بنفطها الخام وصناعتها وخبرات عمالها، مع احتفاظها بالسيادة وملكية الموارد. وستوفر الولايات المتحدة رأس المال والتكنولوجيا اللازمين لإعادة تأهيل وتطوير المنشآت، وكأن حكومة ترامب جمعية خيرية. ووفقًا للدستور الفنزويلي، فإن جميع موارد البلاد ملكية عامة غير قابلة للتصرف. وفي هذا السياق أكد وولفغانغ مونو، خبير شؤون أمريكا اللاتينية في جامعة روستوك الألمانية، أن العائدات تُودع في حساب بنيويورك، ويُقرر ماركو روبيو شخصيًا كيفية إنفاق هذه الأموال في فنزويلا، وبهذا فان فنزويلا تحت وصاية كاملة.

ورغم هذه التبريرات الحكومية، يبقى من غير الواضح تماماً من سيدير أي عائدات محتملة من صفقة النفط، وما مقدار الفائدة التي ستعود على الشعب. الرسالة الواضحة الوحيدة لبقية العالم هي: من لا يخضع للإمبريالية الأمريكية، عليه مواجهة جيوشها، مع نسيان أن هذه الجيوش رغم تفوقها في كل شيء، لكنها ليست كلية القدرة. من جانب آخر تشهد فنزويلا احتجاجات شعبية ضد سياسات الحكومة، واتفاقها الأخير مع الولايات المتحدة.

اما في سياق الصراع الجيوسياسي فان سيطرة الولايات المتحدة على القرار السياسي والاقتصادي لفنزويلا، يعني إضعافا للصين، وتعميق الأزمة الاقتصادية الكارثية في كوبا.