اخر الاخبار

العربي الجديد

حذرت أوساط برلمانية وسياسية عراقية من دخول الفصائل المسلّحة على خط المواجهة الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران في حال اتساعها في الساعات المقبلة، وانعكاسات ذلك على العراق، بما يهدد الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، ويعيد العراق إلى دائرة الصراع الإقليمي. وتأتي هذه المخاوف مع دخول المواجهة الأميركية الإيرانية مرحلة جديدة من التصعيد، فجر اليوم الأربعاء، عقب تنفيذ القوات الأميركية ضربات واسعة استهدفت نحو 100 هدف في أربع محافظات جنوبية وجنوب شرقية داخل إيران، وطاولت مواقع عسكرية ورادارات ومنظومات دفاع جوي وقدرات بحرية تابعة للحرس الثوري، فضلاً عن ناقلتي نفط إيرانيتين. وفي المقابل، أعلنت السلطات الإيرانية سقوط قتلى وعشرات المصابين إثر استهداف منزل كان يحتضن حفل زفاف في مدينة سيريك.

وردت طهران بإطلاق موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه مواقع في عدد من دول المنطقة، هي الأردن والبحرين والكويت وإقليم كردستان العراق والإمارات، في تطور أثار مخاوف عراقية من اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي مفتوح، قد تكون الأراضي العراقية إحدى ساحاته المحتملة.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل مساعي الحكومة العراقية لترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، والتأكيد أن قرار الحرب والسلم من اختصاص مؤسسات الدولة حصراً، مع تحديد 30 سبتمبر/ أيلول الحالي موعداً للمضي في هذا المسار. وفي حال عودة أي من الفصائل المسلحة إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد المصالح والقواعد الأميركية، بالتزامن مع اتساع المواجهة، فإن الحكومة ستجد نفسها أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على فرض قرارها الأمني والعسكري، ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات خارجية.

اتصالات مكثفة لمنع انخراط الفصائل العراقية في المواجهة

ويكشف عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي ياسر وتوت، لـ"العربي الجديد"، عن أن "أطرافاً حكومية وسياسية تجري اتصالات وحوارات مكثفة مع مختلف الأطراف لمنع انخراط الفصائل العراقية في أي مواجهة إقليمية، فالمصلحة العراقية تقتضي تحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية وعدم السماح بتكرار التجارب التي جعلت العراق في مراحل سابقة ساحة لتبادل الضربات". ويقول إن "العراق لا يحتمل الدخول في أي مواجهة عسكرية جديدة، خصوصاً في ظل الظروف الإقليمية المتوترة، وأي تصعيد بين واشنطن وطهران يجب ألا يتحول إلى صراع داخل الأراضي العراقية أو يدفع أطرافاً عراقية إلى الدخول فيه".

ويؤكد وتوت أن "هناك مخاوف حقيقية من أن يؤدي اتساع المواجهة إلى إعادة سيناريوهات سابقة، سواء من خلال استهداف المصالح والقواعد الأميركية في العراق، أو الرد على هذه الهجمات بضربات تطاول مقرات الفصائل أو قياداتها، وهو ما ستكون له تداعيات خطيرة على أمن البلاد واستقرارها". ويبيّن أن "الموقف العراقي يجب أن يكون واضحاً في هذه المرحلة، وهو عدم السماح باستخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي عمليات عسكرية ضد دول أخرى، وفي الوقت نفسه عدم السماح بتحويل العراق إلى ساحة للردود المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران".

ويشدد وتوت على أن "قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية، وأن أي تحرك عسكري خارج هذا الإطار من شأنه تعريض العراق وشعبه إلى مخاطر كبيرة". ويضيف أن "التصعيد الحالي بين واشنطن وطهران يأتي في توقيت حساس بالنسبة إلى الحكومة، التي تتحرك باتجاه تنظيم ملف السلاح وإنهاء أي مظاهر للعمل المسلح خارج مؤسسات الدولة، وبالتالي فإن عودة الفصائل إلى المواجهة ستشكل تحدياً جدياً لهذا المسار".

 

تحذير من العودة إلى منطق الحرب

من جهته، يقول السياسي العراقي مهدي عبد الكريم، لـ"العربي الجديد"، إنه "يجب الحذر من خطورة انخراط الفصائل المسلحة العراقية مجدداً في المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، فأي قرار من هذا النوع ستكون له تداعيات خطيرة على الأمن والسيادة العراقية، وقد يعرض البلاد إلى موجة جديدة من الضربات والاستهدافات". وبيّن عبد الكريم أن "العراق أمام وضع أمني شديد الخطورة، وأي تصعيد جديد بين الولايات المتحدة وإيران ستكون له انعكاسات مباشرة على الداخل العراقي، خصوصاً إذا قررت الفصائل المسلحة الدخول مجدداً في المواجهة".

ويوضح مهدي عبد الكريم أن "عودة الفصائل لاستهداف المصالح أو القواعد الأميركية ستعني عملياً نقل الحرب إلى الأراضي العراقية، وستمنح الطرف الآخر مبررات لتنفيذ ضربات عسكرية ضد مواقع ومقرات داخل العراق، وربما استهداف قيادات وشخصيات مرتبطة بهذه الفصائل، كما حصل في مراحل سابقة". ويحذر من أن "العراق لا يستطيع تحمّل دورة جديدة من الضربات والضربات المضادة، لأن الخطر لن يتوقف عند استهداف مقرات عسكرية، وإنما قد يمتد إلى المنشآت الحيوية، فضلاً عن تهديد أمن المواطنين وخلق حالة واسعة من عدم الاستقرار".

ويؤكد المتحدث ذاته أن "الأخطر في هذه المرحلة هو أن يحدث التصعيد في وقت تحاول فيه الحكومة العراقية معالجة ملف السلاح وحصره بيد الدولة، وبالتالي فإن دخول الفصائل في أي حرب خارج القرار الرسمي سيشكل ضربة مباشرة لهيبة الدولة ولمبدأ حصرية قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية". ويشدد السياسي العراقي على أنه "على جميع الفصائل أن تدرك أن العراق ليس طرفاً في الحرب الأميركية الإيرانية، وأن حماية العراق وسيادته لا تكون بفتح جبهة جديدة داخل أراضيه، وإنما بمنع استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف أي دولة أو جهة".

ويختم عبد الكريم حديثه بالقول إن "العودة إلى منطق الحرب بالوكالة ستكون كارثية على العراق، لأن أي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية قد يقابله رد مباشر، والعراق في هذه الحالة لن يكون قادراً على التحكم بمسار التصعيد أو تحديد سقفه. ولهذا على الحكومة اتخاذ إجراءات واضحة لمنع استخدام الأراضي العراقية في أي نشاط عسكري، لأن استمرار وجود السلاح خارج القرار الرسمي سيبقي العراق معرضاً لخطر الانجرار إلى أي حرب إقليمية".

وبينما تترقب بغداد ما ستؤول إليه الساعات المقبلة، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، خصوصاً أن أي ضربة أميركية جديدة أو رد إيراني أوسع قد يعيد اختبار قدرة العراق على البقاء خارج دائرة المواجهة. كما قد يضع الحكومة أمام اختبار أكثر تعقيداً، يتمثل في الموازنة بين حماية سيادة البلاد ومنع استخدام أراضيها ساحة للصراع، وبين التعامل مع فصائل مسلحة قد تجد نفسها، في حال اتساع الحرب، تحت ضغوط سياسية وأمنية للانخراط فيها مجدداً.