منذ انتهاء الحرب الباردة ولغاية اليوم تمت في النظام العالمي مجموعة من التحولات التي عززت من مكانة بعض القوى وأخرى انطفأت أنوارها لأسباب متعددة أهمها كانت الصراعات التي نشبت ضمن مساحات الأيديولوجيا والتفكير واللذين أسسا للتوسع والهيمنة على حساب الشعوب ومقدراتها، وكانت من ضرورات التأسيس لكل مرحلة خلق أدوار جديدة لفاعلين أساسيين وجُدد ضمن تبني تدريجيا لمراحل تتبنى استراتيجيات تُصاغ وفق سياقات معينة ومعايير تنطلق من الغاية الأساسية المتمثلة بالمصلحة، واحدة من القضايا المهمة التي أرهقت القارة الأوروبية هي المظلة الأمنية وهاجسهم هذا نابع من حجم ما خلفته الحروب والأزمات وآثارها على الأمن والاستقرار وكل ما له علاقة بحياة الناس، الأوروبيون اليوم يبحثون عن كل ما من شأنه أن يسارع في تشكيل مشاهد جديدة تُبعد عنهم الأخطار الناجمة عن الأزمة الخطيرة التي أنتجتها الحرب الروسية الأوكرانية، لا بل يسعون لأن تتسارع كل الوساطات بالعمل من أجل إنهاء هذه الحرب التي لا نهاية لها سوى الدمار وولادة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والأخيرة هي الأخطر على دول القارة لما تشهده ليس فقط تنوع عرقي وهوياتي لا بل أيضا التوجهات السياسية التي تخشى الحكومات الأوروبية من صعودها واحتوائها لكل المشهد الأوروبي المتمثلة بقوى اليسار التي بالضرورة ستعمل بالضد من السياسات المتبعة في أوروبا.
تتعدد المشاهد لكننا نركز على المشهد الأمني – الاقتصادي فالولايات المتحدة الأمريكية وبالرغم من ما تمتلكه من قدرات لا تستطيع أن تغطي كافة التكاليف وتبعات الحرب إذا ما توسعت وشملت مناطق داخل القارة غير أوكرانيا، بالتالي فإنها ستكون أمام مواجهات متعددة لا تقتصر على منطقة بعينها أو رقعة جغرافية محددة سواء كانت عملياتها منفردة أو تحت مظلة الناتو، فالقضية لا تعدو كونها بدايات لصراع أشمل ينطلق لكافة مناطق التواجد الأمريكي، فحتى وإن لم تكن هناك حرب بمسماها وأدواتها وفواعلها عسكرياً والصراع والتنافس الاقتصادي حاضراً بقوة وبمستويات مرعبة، مما سيؤدي إلى زيادة التكلفة المادية والمعنوية المؤثرة بالضرورة على مستويات تدفق رؤوس الأموال والتجارة العالمية وكل ما له علاقة بتدفق الطاقة وأسعارها مما يعرقل عملية السيطرة عليها في كافة المجالات، بالتالي سنكون أمام عودة لسيناريوهات صراع الشرق والغرب الذي كان من المفترض قد انتهى، لكن أطراف النزاع على علم بأن هذا الصراع مستمر ومسألة التعايش مع الأوضاع والتكيف هي مجرد مراحل تنتهي مع تبدل وتحديث الاستراتيجيات لهذه القوة أو تلك، الأوروبيون على علم أن المظلة الأمريكية وبحكم الإدارة الحالية غير آمنة ومتبدلة خصوصاً وأنها تعمل ضمن مساحات الضغط على الحلفاء في سبيل تعزيز مكانتها في مناطق معلوم أنها تحت سيطرتها، لكنها بواقع سياساتها التي تسير وفق مؤشرات المصلحة وتعزيز المكانة فإن قضية التعاون والاعتماد المتبادل عُدت ضمن اللحظات العالمية التي تتبدل مع تبدل العدو والخصم والمنافس.
العداء اليوم بُني وفق متبنيات خلقتها إرادة المتخاصمين المتنافسين والأوروبيون يخشون من عودة الصراع بكل أشكاله لتصبح أراضيهم ساحة التنافس وقد تكون ساحة الحرب، وما سيكون أزمة أوكرانية داخلية ستتحول إلى أزمة سياسية – فكرية – اجتماعية تهدد الحكومات وسياستها وتهدد الجماعات والدول في الاتحاد، والأخطر التهديد الايديولوجي الذي سيجعل من التيارات والحركات المعادية للرأسمالية للنهوض والعمل مجدداً ضمن ساحة الضغط الفكري والسياسي، هذه الحالات والتحولات لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون المظلة الآمنة لأروبا إذا ما تطورت الأحداث لكن ما سيكون أصعب إذا تدخلت لتغير الثوابت الفكرية – الاجتماعية الأوروبية، وعلى أساس هذه المعادلة ستعمل القوى الأوروبية على التحرك من أجل إيجاد حلول ومخارج حتى وإن كانت صعبة ومكلفة أن تجنب القارة شبح الحرب وعودة الدمار إليها.