منذ وزارة علاوي، واقتصادنا اقتصاد استهلاك، غياب الانتاج واعتماد الاستيراد، تجاوزنا حتى ثوابت الرأسمالية، وصرنا نبتدع قوانين ما فوق العولمة، بقرارات غريبة مؤلمة، منها غلق ألمعامل، والانفتاح على المستورد الفاشل، وتراجع الناتج المحلي وصار الاعتماد على المنقذ النفطي، وحلت المولات بدل معامل المعجون والمقبلات، أي اقتصاد ذاك الذي يعادي الانتاج، ويشجع على الاستثمار الإسكاني لأصحاب المليارات، والمستثمر هو القدوة لا يحترق حرصا على بلاده ولا هو معني ببقية الفئات.
معذرة سادتي فقد كانت مقدمة يقولها كل من اهتم باقتصاد بلاده، وهو يرى إمعانا في تبديد الثروات، لنعد إلى لغة الاقتصاد، للوقوف على ما حل بالبلاد، الناتج القومي لبلادنا عام 2024 (حسب وزارة التخطيط كان 279 مليار دولار ) بما فيه عوائد النفط البالغة حوالي 100 مليار دولار، في حين كان الناتج المحلي التركي على سبيل المثال لعام 2024 حوالي ( 1،2 تريليون دولار) ومجموع سكان تركيا 85 مليون انسان، أما كان الأجدر بالناتج المحلي العراقي أن يبلغ 600 مليار دولار دون النفط ، لأن تركيا لا تمتلك نفطا ولا غازا. وان عدد نفوس العراق يساوي نصف عدد نفوس تركيا تقريبا، أردنا بهذه المقاربة أن نقول إن تركيا تصدر للعراق معجون الطماطة والدجاج المجمد والموطة، وطماطة الزبير تتلف لشدة الحر والسياسة الاقتصادية المغلوطة.
أن الاقتصاد لا يبنى على الاستيراد، إنما يبنى على انتاج الخيرات، والانتاج ليس غريبا على بلادنا، فقد كان اللواء فتاح باشا قد افتتح عام 1926 أول معمل في الشرق لصناعة الغزل والنسيج، والمكائن ألمانية، وتبعه الوصي بإنشاء معمل الوصي لصناعة الأصواف، فكانت البطانية العراقية تنتج على غرار البطانية الانكليزية من حيث النوعية والتلوين، ونمت منذ الأربعينيات صناعات الزيوت النباتية والمساحيق والصوابين والجلود والسكاير والتمور والشخاط والجوت وغيرها من آلاف الصناعات، وكانت تسد اغلب الحاجات حتى عام النكبات، الذي تم بموجب أوامر واشنطن، غلق معامل القطاع العام دون تعويض جدي مباشر يعتمد الانتاج.
أنا لا أقول إن هناك نوايا وطنية لمعاداة الانتاج، ولكن اقول إن هناك عملا مخلا بالثوابت الاقتصادية منها الاستثمار الواسع في المكملات، كالاستثمار الإسكاني العالي الجودة ، والاستثمار السياحي المبدد للعملة، كالاستثمار في المطاعم والمولات، لا الاستثمار في فتح الورش والمصانع والمختبرات. العمل أساس القيمة، والقيمة عماد الانتاج، والانتاج وإن خسر للوهلة الأولى فنهايته أكثر جدوى من الاستيراد، وفرض الحماية اليوم صارت من مبادئ الرأسمالية، فالرئيس ترامب خرق شعار الرأسمالية. (دعه يعمل دعه يمر) وصار يفرض التعريفة والرسوم، اما نحن لازلنا نتباكى على حرية التجارة، وصرنا أكثر رأسمالية من الرأسماليين، وعدنا إلى المربع الأول، حيث الاعتماد على النفط وموارد المنافذ والضرائب، او جمع الرسوم من المواطن الخائب، وعادت الحكومة إلى الاستقطاعات او إلى استحصال أجور للدخول الى المستشفيات، او زيادة اجور زيارة المستوصفات، او فرض الضرائب على كارتات الانترنت والجوال، وغيرها من وسائل سد العجز لمجابهة النفقات، ونود الاشارة الى أن سياسة الهبات في إقامة المشاريع دون تخطيط مسبق وما يصاحبه من تجاوز على التخصيصات كانت واحدة من أسباب العجز في الموازنة، كما وان تراجع المستشار الاقتصادي عن ثوابت علم الاقتصاد كان وراء زيادة الأزمة وتراجع القدرة في تسديد الرواتب والأجور، او عدم امكانية اطفاء ديون المقاولين والبالغة 30 تريليون دينار حسب تصريح النقيب. وديون البلاد بلغت 150 مليار دولار حسب على العلاق. خوش اقتصاد وخوش إنفاق.
إن معالجة الأزمة الاقتصادية، تبدأ من تصفير الدينار ودعم العملة الوطنية، تبدأ من اعتماد اصحاب الشأن الاقتصادي من أساتذة وخبراء، وعدم الاعتماد على من هم من المواربين او الأدعياء، اذهبوا إلى فتح المعامل في المحافظات وحسب وفرة المواد الأولية والخيرات، وبالمال العام وملكوها بضمانات قانونية للمهندسين والعمال بالتنسيق مع الاتحاد العام لنقابات العمال. ارفعوا درجة معاداة الفساد وافتحوا باب بناء المعامل لا المولات، انه ليس شعارا.
اتركوا موجة فتح المطاعم، وحاربوا استهلاك المظاهر، قيدوا الاستيراد، حاسبوا المنافذ على أساس ما هو مباع من الدولار على مدى عام ، فالإيرادات الكمركية أن سلمت النوايا، لا تقل عن عشرة مليارات دولار، المسألة هي ليست مسألة أموال ، إنها مسألة ضبط الموال ، بدءا من البنك المركزي، مرورا بوزارة التجارة وصولا إلى نقابات العمال، الكل يتحمل المسؤولية، وإذا تمددت هذه الازمة دون كبح متزن فأنها ستقطع الانسان والزمن، وستصل إلى القادم من الأجيال وعندها سيصبح حلها أمرا محالا.