سوريا اليوم كما هي بالأمس تحكم مساراتها معادلة داخلية واخرى خارجية ترسمها مجموعة من الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي بالضرورة تجعل منها محط تركيز القوى الدولية والاقليمية التي حولت الساحة السورية إلى ساحة صراع وتنافس، وهذا نابع من أهميتها الجيو - بوليتيكية والجيو - سياسية من خلال رسم تصورات ورؤى قابلة للتغير والتحول مع سياقات التحول الإقليمي والدولي، فخلق كيان سوري متماسك قد يكون من أكثر التحديات خطورة التي توجه تلك القوى المتنافسة التي تحاول من خلال رؤيتها الاستراتيجية ان تتحكم بالداخل السوري بما يتناسب وسياساتها المبنية على فرض الإرادة الممهدة للهيمنة بشكل كامل، فشكل ومضمون النظام السياسي السوري يلعب دورا كبيراً في رسم تلك الاستراتيجيات والاستراتيجيات المُضادة لما يحتوي من مسارات قابلة للتكيف مع واقع القوة المتحكمة، من ثم تعمل على ملء الفراغ الداخلي من خلال قوى مُسيطرة تعمل ضمن ايديولوجية معينة تساهم في تعزيز نموذج يكون بالضرورة بالضد من توجهات مغايرة.
بعد العام ٢٠١١ تغيرت الحسابات الإقليمية بالنسبة لسوريا فالاحتجاجات التي شهدتها المناطق السورية لم تتحول إلى فعل مسلح إلا بعد ان وجدت الأرضية مهيأة لتصبح رقما جديدا في المعادلة بعد ان عكس النظام عدم جدية التعامل مع الواقع الاجتماعي بما يتناسب مع المنطق والحكم العقلاني، هذا أنتج واقعاً لم يكن وليد لحظة انطلاق الاحتجاجات بل هو عملية تراكم أفعال سياسية واقتصادية تحولت إلى شعور بالاستلاب شعر به المواطن السوري مما أفقده الثقة بنظامه السياسي، بالمقابل وبسبب السياسات غير المتوازنة للنظام السوري أفقده مصداقيته حتى مع حلفائه الداعمين مما أدى إلى أن يصبح عبأ كبير يُهدد كيانهم ووجودهم، سواء من الدول او التنظيمات المسلحة.
سوريا تعددت فيها التوجهات خصوصا وان الحُكام الجدد من حيث الإدارة والتنظيم وفكرة فلسفة حكم الدول بالكاد تعد هذه مفاهيم تختلف فكريا وايديولوجيا عن ما كان يتبناه قبل تسلمه السلطة في سوريا، بالتالي أصبح نموذجا مختلفا في المنطقة قد يعطي مؤشرا لخلق ذات الصورة التي حدثت في أفغانستان إلا أن واقع التعامل السياسي الدولي مختلف من جوانب مفهوم الاستراتيجية المُتكيفة مع شكل ومضمون الحكام الجُدد في سوريا، بالرغم من الدعم الهائل الذي تلقته الحكومة السورية الجديدة من دول المنطقة والعالم إلا أن الخشية من مخرجات هذا النظام لا تزال مجال قلق العديد من الدول الإقليمية والمجاورة بسبب السياسات المتبعة في الداخل السوري الذي بالضرورة تحولها إلى أرض منتجة لعدم الاستقرار، وهذا يرجع إلى استراتيجيات القوى الداعمة والمؤيدة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تتبنى فكرة خلق بؤر للتوتر في سبيل اشغال الخصوم.
سيناريوهات كُتبت ورسم معالمها من خلال تحديد الأطر السياسية والاجتماعية السورية من خلال عملية تجزئة الداخل بما يتلاءم وعملية اضعافه القابل للتفتيت والانقسام، فالمسارات الغربية صوب سوريا ليست بعيدة عن فكرة تأمين الحليف الاستراتيجي في المنطقة الكيان الإسرائيلي حتى وان كانت سياساته وسلوكياته لا تتناسب والطرح الغربي، لكن تبقى فكرة وجود نظام يعاني الانقسام أفضل من نظام يسير نحو التعافي والثبات بما لا يخدم المنطلقات الغربية وتوجهاتها في المنطقة، وأيضا قد يساعد على إعادة العلاقات السورية مع قوى في المنطقة تتقاطع مع المشروع الغربي - الامريكي، فبين تنظيم طالبان وهيئة تحرير الشام نقطة التقاء أمريكية - غربية أضفت التجربة نوعا من التحديث على الحالة السورية، فالمقاتلون الجهاديون ضد السوفييت الذين تم تجنيدهم من قبل المخابرات الامريكية وإعطائهم شرعية القتال بمسمى مقاتلو الحرية ومن ثم السماح لهم بحكم افغانستان هي ذات الصورة مع اختلاف بعض الخطوات من حيث البيئة والفواعل التي رسمتها الاستراتيجية الغربية ومارست فعل الصمت على انتهاكات الحكام الجدد في سوريا السورية ضد العلويين والأكراد والأقليات الأخرى وغير المتعاون معهم من القوميات والديانات.
إن الفعل السياسي السوري عكس وبكل وضوح رؤية غير مستقرة لبنية النظام بعد أن تناقض الخطاب مع واقع كان من المفترض ان يكون مغايرا عن سابقه، مما ساعد على انتاج صور مشوهة عن واقع بات يُهدد السلم المجتمعي من خلال ممارسة فعل العنف تجاه مكونات الشعب السوري تارة بدوافع انتقامية وتارة باسم حفظ الامن الداخلي، بالمقابل كان للدعم الامريكي والغربي لسياسات النظام واجراءاته وسلوكياته دور في تنامي الصراع الداخلي الذي بات مصدر تهديد ليس على وحدة سوريا بل حتى على آمن الدول المجاورة والإقليمية.
بالمحصلة فإن قراءة المشهد السوري تحمل في طياتها سيناريوهات ترسم وسترسم حقيقة انتاج أزمات داخلية وخارجية تُنذر بوضع إقليمي غير مستقر خصوصا والمنطقة تشهد أزمات متعددة تفرضها التدخلات الخارجية بقيادة أمريكا مما راحت التفسيرات والتحليلات تتناول فرضية تأُطر المشهد السوري على أنه جزء من مشروع أكبر له دلالاته من حيث توظيف حالة الفوضى السورية لتكون عامل ضغط مباشر على كل القوى المنافسة او التي تتعارض سياساتها مع الولايات المتحدة والمنظومة الغربية بشكل عام، هذه الفرضية تلقي بظلالها على تحديد رؤية القريب القادم الذي لا يخلو من رسم مشاهد متعددة تحمل في طياتها عناصر التعقيد والتشابك الذين يعملان على إرباك العلاقات وبنائها وفق الفهم الصحيح لبناء استقرار إقليمي او استقرار المنطقة ككل، تسير هذه الفرضية ضمن خطوط فكرة التبعية غير العقلانية للغرب ولأمريكا والكيان الإسرائيلي تحديداً، مما ستحول سورية وبكل ما تحمله من معطيات جراء ما سيتم تنفيذه من استراتيجيات لتعكس فكرة الهيمنة لايديولوجيات متوحشة تلاقت مصالحها، بالمحصلة فرضية الرضا على واقع سوريا الفوضوي هو بالأساس ناتج عن توجهات مغايرة في المنطقة، لنواجه نظرة أكثر تشاؤمية عن مستقبل المنطقة التي تحمل في القادم ليس على مستوى التنظير فقط بل من حيث التطبيق سلسلة من المشاريع التي تحمل أسس تفكيك الدول من الداخل من خلال عملية تدخل مباشرة في سياساتها، لتصبح ضمن حلقة مغلقة تحكمها الصراعات والمواجهة.