اخر الاخبار

ودّعنا أمس قامةً نضاليةً شامخة، وشخصيةً إنسانيةً استثنائية، كرّست عمرها دفاعًا عن الفقراء والمستضعفين، وانحازت منذ بواكير وعيها إلى صفوف الجماهير، لا طلبًا لمجدٍ شخصي، بل وفاءً لقيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.

لم يكن الراحل اسمًا عابرًا في سجلّ النضال، بل كان ضميرًا حيًّا في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وبوصلةً ثابتةً حين تاهت الاتجاهات. قارع الديكتاتورية لعقودٍ طويلة، ودفع ثمن مواقفه الصلبة غاليًا؛ ملاحقةً وتضييقًا، ثم منفىً قاسيًا، غير أن المنفى لم يُطفئ جذوة الإيمان في قلبه، ولم يثنه عن مواصلة رسالته. ظلّ صوته عاليًا، وكلمته حرة، وولاؤه منحازًا لمن لا صوت لهم.

كان مثقفًا عضويًا، جمع بين الفكر والموقف، وبين التحليل العميق والعمل الميداني. لم ينظر إلى الثقافة بوصفها ترفًا، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفية، فكتب وتحدّث وناقش، وأسهم في ترسيخ خطابٍ وطنيٍّ تقدميٍّ داخل الحزب الذي قاده. ترك بصمةً واضحة في بناء الوعي الحزبي، وفي الدفاع عن ثوابته، وفي تطوير رؤاه بما ينسجم مع تطلعات الناس وآمالهم. عرفه رفاقه صلبًا في المبدأ، متواضعًا في السلوك، قريبًا من الناس، بسيطًا في حياته، كبيرًا في عطائه. لم تغره المناصب، ولم تغيّره الظروف، وبقي وفيًّا لعهده مع الجماهير، يستمدّ منها شرعيته، ويستمدّ منها أيضًا عزيمته على الاستمرار. اليوم، ونحن نودّعه للمرّة الأخيرة، لا نرثي شخصًا فحسب، بل نستحضر تجربةً نضاليةً كاملة، ومسيرةً حافلةً بالتضحيات. رحيله خسارةٌ موجعة، لكن إرثه سيبقى حيًّا في ضمائر محبّيه، وفي ذاكرة حزبه، وفي كل موقفٍ ينحاز للعدل، وكل كلمةٍ تُقال في وجه الظلم.