اخر الاخبار

في العشرين من شباط من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو مناسبة أقرتها الأمم المتحدة للتأكيد على ضرورة بناء مجتمعات تقوم على المساواة وتكافؤ الفرص واحترام الكرامة الإنسانية. غير أن هذا اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد شعار احتفالي، بل محطة مراجعة جادة لواقع الفئات الأكثر تهميشا، وفي مقدمتها الطبقة العاملة التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد.

إن العدالة الاجتماعية، في معناها العميق، تبدأ من مكان العمل. من الأجر العادل الذي يكفل حياة كريمة، ومن بيئة عمل آمنة، ومن ضمان اجتماعي يحمي العامل في حالات المرض والشيخوخة والتعطل. وفي بلد مثل العراق، حيث يواجه العمال تحديات مركبة تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مع التقلبات السياسية، يصبح الحديث عن العدالة الاجتماعية حديثا عن ضرورة وطنية، لا مطلبا فئويا.

الأجر المنصف أساس العدالة

لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية فيما تتآكل الأجور تحت ضغط التضخم وارتفاع الأسعار. العامل الذي يقضي يومه في المعمل أو الورشة أو موقع البناء، يجب أن يكون أجره متناسبا مع كلفة المعيشة الفعلية. غير أن الواقع يشير إلى فجوة متسعة بين الدخول المحدودة والأسعار المتصاعدة، ما يدفع آلاف الأسر إلى حافة الفقر رغم أن معيليها يعملون بانتظام.

إن الحد الأدنى للأجور ليس رقما إداريا فحسب، بل مؤشرا على مدى انحياز السياسات الاقتصادية إلى مصالح الأغلبية. وعندما يبقى هذا الحد بعيدا عن خط الكفاف، فإن العدالة الاجتماعية تتحول إلى وعد مؤجل.

الضمان الاجتماعي والحماية من القهر

تؤكد منظمة العمل الدولية أن الحماية الاجتماعية حق أساسي من حقوق الإنسان. غير أن شريحة واسعة من العمال، خصوصا في القطاع الخاص والعمل غير المنظم، تفتقر إلى التسجيل في منظومة الضمان الاجتماعي. وهذا يعني أنهم يواجهون المرض أو إصابات العمل أو التقاعد دون أي سند مؤسسي.

إن العدالة الاجتماعية تقتضي توسيع مظلة الضمان لتشمل جميع العاملين، دون تمييز بين قطاع عام وخاص، أو بين عمل دائم ومؤقت. فالعامل الذي يسهم في دوران عجلة الاقتصاد، يجب أن يطمأن إلى أن الدولة لن تتركه وحيدا عند أول أزمة. 

حرية التنظيم النقابي صوت العدالة

لا تكتمل العدالة الاجتماعية من دون تمكين العمال من الدفاع عن حقوقهم عبر تنظيمات نقابية مستقلة وقادرة على التفاوض. فالحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية ليس ترفا سياسيا، بل أداة لتحقيق التوازن بين رأس المال والعمل.

في العراق، ما زالت الحركة النقابية تواجه تحديات قانونية وإدارية تحد من فاعليتها. إن تحديث التشريعات بما ينسجم مع المعايير الدولية، وضمان استقلالية النقابات، يمثلان خطوة أساسية نحو ترسيخ عدالة اجتماعية حقيقية.

العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة

ترتبط العدالة الاجتماعية ارتباطا وثيقا بالتنمية المستدامة. فلا تنمية بلا توزيع عادل لثمار النمو، ولا استقرار من دون تقليص الفوارق الاجتماعية. وينعكس شعور العامل بتقدير جهده وصيانة حقوقه، إيجابا على الإنتاجية والاستقرار المجتمعي.

إن الاستثمار في الإنسان العامل – تعليما وتدريبا وحماية – هو استثمار في مستقبل البلد. أما إهمال حقوقه، فيقود إلى احتقان اجتماعي وهدر للطاقات.

نحو رؤية عمالية للعدالة

في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، ينبغي أن يكون السؤال الجوهري: أين يقف العامل من السياسات الاقتصادية والاجتماعية؟ هل هو شريك في صياغتها، أم مجرد متلق لنتائجها؟ إن الإجابة تتطلب مراجعة شاملة لمنظومة الأجور، والحماية الاجتماعية، وتشريعات العمل.

العدالة الاجتماعية ليست شعارا يرفع في البيانات، بل ممارسة يومية تنعكس في الراتب، وفي عقد العمل، وفي حق التنظيم، وفي ضمان الشيخوخة. وهي، قبل كل شيء، انحياز واضح لكرامة الإنسان العامل.

وفي بلد يسعى إلى الاستقرار والبناء، تبقى العدالة الاجتماعية في بعدها العمالي حجر الأساس لأي مشروع وطني تقدمي. فحين ينصف العامل، ينصف المجتمع بأسره.