بمناسبة الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، لا يكفي أن نحتفل بالورود والشعارات العامة؛ بل علينا أن ننظر بجدية إلى واقع المرأة العراقية، بوصفه مرآةً للأزمة البنيوية العميقة التي يعيشها المجتمع والدولة.
تعيش المرأة العراقية اليوم في قلب أزمة معقّدة تتشابك فيها عوامل خارجية وداخلية على نحوٍ يصعب فصله. فمن جهة، تركت الهيمنة الإمبريالية بصماتها العميقة على بنية الدولة والاقتصاد والمجتمع؛ ومن جهة أخرى، أسهم تدهور البنى السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية في إعادة إنتاج الاستضعاف البنيوي وعدم المساواة. وفي التقاء هذين المسارين، وجدت النساء أنفسهن الأكثر تأثرًا بالحروب والعقوبات والتدخلات الخارجية والفساد وسوء الإدارة.
لم تكن الإمبريالية في السياق العراقي مجرد وجود عسكري عابر، بل نمط هيمنة أعاد تشكيل الدولة وفق منطق التبعية السياسية والاقتصادية. فقد أدت الحروب المتكررة، والعقوبات، والاقتصاد الريعي المشوّه إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتفكيك منظومات الحماية الاجتماعية. ومع اتساع رقعة الفقر والذي يقدَّر بأنه يطال أكثر من 20 بالمئة من السكان — وارتفاع معدلات البطالة العامة إلى نحو 14–16 بالمئة، تحمّلت النساء عبئًا مضاعفًا، سواء عبر النزوح وفقدان مصادر العيش أو من خلال تحمّل مسؤوليات إضافية داخل الأسرة في ظل انحسار الدعم الحكومي
التهميش الاقتصادي وإعادة إنتاج الإقصاء البنيوي
يكشف واقع سوق العمل عن فجوة جندرية صارخة. فبينما تبلغ نسبة بطالة الرجال نحو 12–14بالمئة، ترتفع بطالة النساء إلى ما يقارب 25– 30 بالمئة، وتصل بين الشابات (15–24 سنة) إلى أكثر من 35 بالمئة. كما لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة 12–15 بالمئة، وهي من أدنى النسب في المنطقة.
إلى جانب ذلك، تشير بيانات اليونسكو والتقارير الوطنية إلى أن نسبة الأمية بين النساء تقارب 20 بالمئة، وترتفع في بعض المناطق الريفية إلى أكثر من 30 بالمئة، مقارنةً بنسبة أقل بين الرجال. وهذا يعني أن مئات الآلاف من النساء يُقصين مبكرًا من فرص التعليم والعمل، بما يعمّق تبعيتهن الاقتصادية.
هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره بوصفه خيارًا فرديًا، بل هو نتاج بنية اقتصادية واجتماعية تعيد إنتاج الإقصاء البنيوي للنساء. فالمرأة التي لا تملك دخلًا مستقلًا تصبح أكثر عرضة للعنف الأسري والابتزاز الاقتصادي، وأقل قدرة على اتخاذ القرار داخل الأسرة، بينما تواجه الأسر التي تعيلها نساء مستويات أعلى من الفقر وانعدام الأمان الاجتماعي.
الزواج المبكر خارج المحاكم: أرقام مقلقة
في البنية الأسرية، تعكس أنماط الزواج المتزايدة عمق الأزمة الاجتماعية. فبحسب تقارير رسمية وأممية حديثة، فإن نحو 22–28 بالمئة من النساء المتزوجات في العراق تزوجن قبل سن الثامنة عشرة، فيما تشير بعض التقديرات إلى نسب أعلى في المناطق الأكثر فقرًا.
أما الزواج خارج المحاكم، فتشير بيانات مجلس القضاء الأعلى إلى أن ما يقارب 20 بالمئة من عقود الزواج في بعض السنوات تُبرم خارج الإطار القضائي الرسمي، عبر رجال دين في صيغ عشائرية، قبل أن يُسجَّل بعضها لاحقًا - إن سُجّل. هذه الممارسة تحرم النساء من ضمانات قانونية أساسية تتعلق بالمهر والنفقة والحضانة والطلاق، وتُصعّب إثبات الحقوق أمام القضاء.
ورغم أن بعض الأسر تلجأ إلى هذه الخيارات بوصفها “استراتيجية بقاء” في ظل الفقر، فإنها عمليًا تعيد إنتاج الاستضعاف البنيوي عبر قطع المسار التعليمي للفتيات، وزيادة احتمالات الطلاق المبكر، وتعميق دائرة الفقر عبر الأجيال.
بين القانون 188 ومشاريع التفكيك الطائفي
شكّل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 محطة مفصلية في تاريخ التشريع العراقي، إذ أرسى إطارًا مدنيًا موحدًا نسبيًا لتنظيم قضايا الزواج والطلاق والإرث والحضانة، وكرّس مبدأ المواطنة المتساوية.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات لتقويض هذا الإطار عبر مشاريع قوانين ذات طابع ديني وطائفي، أبرزها ما عُرف بـ“المدونة الجعفرية”، والتي منحت المرجعيات المذهبية سلطة أوسع في تنظيم شؤون الأسرة. وتشير قراءات حقوقية إلى أن بعض الصيغ المطروحة فتحت الباب أمام خفض سن الزواج وتقييد حقوق النساء في الطلاق والحضانة، بما ينقل المجتمع من منطق القانون المدني الموحد إلى منطق التعددية القانونية الطائفية، ويكرّس تفاوتًا أفقيًا وعموديًا في الحقوق.
“سيداو” بين الالتزام الدولي وحملات التشويه
صادق العراق على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) مع عدد من التحفظات، ما يجعله ملزمًا — نظريًا — بتحسين أوضاع النساء وتعزيز المساواة. غير أن السنوات الأخيرة شهدت حملات منظمة لتشويه الاتفاقية واتهامها بأنها تهدد القيم الدينية، بالتوازي مع تضييق على منظمات المجتمع المدني والمدافعات عن حقوق المرأة.
وهكذا، تتحول الالتزامات الدولية من أداة إصلاح إلى ساحة صراع سياسي وأيديولوجي يعكس طبيعة الأزمة الأعمق في بنية الدولة
العنف الأسري: حرب صامتة
يتصاعد العنف الأسري بوصفه حربًا صامتة لا تقل خطورة عن النزاعات المسلحة. فالتقارير الحقوقية تشير إلى تسجيل آلاف حالات العنف الأسري سنويًا، مع مئات حالات القتل أو محاولات القتل تحت ذرائع “الشرف” أو “الخلافات الأسرية”. وغالبًا ما تكون الأرقام الحقيقية أعلى بسبب الامتناع عن التبليغ خوفًا من الوصم أو الانتقام.
غياب قانون شامل ونافذ لمناهضة العنف الأسري، أو ضعف تطبيق القوانين القائمة، يترك النساء بين سلطة الأعراف العشائرية ومنظومة قانونية لا تراعي النوع الاجتماعي بما يكفي، ما يعمّق حالة الإفلات من العقاب
النساء كفاعلات في مشروع التغيير
ورغم قتامة المؤشرات، لا يمكن اختزال المرأة العراقية في موقع الضحية. فقد برز حضور متزايد للنساء في منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والحركات الاحتجاجية، والشبكات النسوية التي تربط بين مقاومة الهيمنة الخارجية والفساد الداخلي وبين المطالبة بإصلاحات قانونية عميقة.
إن الدفاع عن قانون 188، ورفض مشاريع التفكيك الطائفي، والمطالبة بقانون لمناهضة العنف الأسري، وحماية الالتزامات الدولية، وتعزيز التمكين الاقتصادي — كلها ليست مطالب فئوية، بل جزء من مشروع وطني لبناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية.
في هذا المعنى، يصبح واقع المرأة العراقية مؤشرًا سياسيًا دقيقًا على مستوى تماسك الدولة والمجتمع. فكل اتساع في حقوق النساء هو اتساع في أفق الحرية الوطنية، وكل تراجع هو تعبير عن أزمة أعمق في بنية الحكم والسيادة والتنمية.