في الثامن من آذار/مارس من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمرأة، وهو محطة لتكريم إنجازاتها والوقوف عند التحديات التي تعترض طريقها. هذا اليوم الذي تحول من مسيرات احتجاجية لعاملات في مصانع النسيج بنيويورك عام 1908 إلى مناسبة عالمية ترعاها الأمم المتحدة، يكتسي في العراق لوناً خاصاً؛ إنه يوم تستعرض فيه "أيقونة النجاح" كما يصفها العراقيون، مسيرة نضال استثنائية، لم تثنها الحروب ولا الحصار ولا الإرهاب.
نضال ممتد من تأسيس الدولة إلى ثورات التحرير
لم تكن مشاركة المرأة العراقية في الفضاء العام وليدة اللحظة. فمنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، اخترقت النساء العزلة الاجتماعية، متحديات النظرة الدونية لهن. ففي عام 1923، تأسس "نادي النهضة النسائية" ليطالب بحقوق المرأة السياسية، وتواصلت المسيرة، فشاركت النساء بفعالية في وثبة كانون عام 1948 لإسقاط معاهدة بورتسموث.
بلغ النضال ذروته بتنظيم أول اتحاد نسائي ديمقراطي جماهيري، وتوّجته الدكتورة نزيهة الدليمي، التي أصبحت في عام 1959 أول امرأة في العراق والشرق الأوسط تتولى حقيبة وزارية (وزيرة البلديات) في حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم. كان هذا دليلاً على أن المرأة العراقية قادرة على اعتلاء أعلى المناصب عندما تتوفر الإرادة السياسية الداعمة.
رغم الميراث النضالي الكبير، وجدت المرأة العراقية نفسها بعد عام 2003 في مفترق طرق. فبينما ضمن لها الدستور العراقي (25 في المئة) من مقاعد البرلمان عبر نظام "الكوتا"، وهو مكسب كبير، إلا أن الناشطات يبين أن هذا التمثيل تحول أحياناً إلى "رقم بلا مضمون" بسبب ضغوط الأحزاب.
واقع المرأة اليوم يحمل تناقضات صارخة. ففي الوقت الذي تشغل فيه مناصب قيادية في الدولة، تعاني الملايين منهن من تحديات يومية:
- العنف الأسري والتسويات العشائرية: لا يزال قانون العنف الأسري يراوح مكانه في البرلمان، وغالباً ما تنتهي قضايا العنف بحق النساء بتسويات عشائرية لا تحقق العدالة، حيث ينظر إلى تدخل الدولة أحياناً على أنه "تدخل في شرف العائلة".
-المعاناة الاقتصادية: أكثر من نصف مليون امرأة مشمولات بالرعاية الاجتماعية، وتتحمل العديد منهن مسؤولية أسر كاملة في ظل أعداد كبيرة من الأرامل (التي قُدرت سابقاً بالملايين) نتيجة عقود من العنف والحروب.
- الصراع بين القانون والعادات: ورغم أن قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 كان من أكثر القوانين تقدماً في المنطقة، إلا أنه يظل مهدداً بالتعديلات والاجتهادات التي قد تعيد إنتاج وصاية جديدة على المرأة، خاصة في المناطق الريفية حيث تنتشر ظاهرة زواج القاصرات بحجة الأعراف.
ثورة تشرين والحضور الطاغي للمرأة
ربما كان أبرز مشاهد النضال المعاصر للمرأة العراقية ما جرى في احتجاجات "ثورة تشرين" عام 2019. خرجت النساء بجسارة إلى ساحات الاعتراض، وتقدمن الصفوف، وكسرن حالة الخوف. لقد تحولن من موضوع للتهديد من قبل بعض القوى السياسية التي وصفت خروجهن بـ "الرذيلة"، إلى أيقونات للتغيير يرفعن شعار "وُلدت عراقية لأصبح ثائرة". كانت تلك الحشود النسائية الأولى من نوعها في تاريخ العراق، وأثبتت أن المرأة هي ليست فقط ضحية، بل هي قادرة ان تشاركنا الرجل في التغيير السياسي والاجتماعي.
في هذا العام، هناك نساء عراقيات أبدعن في كثير من المجالات واستذكر هنا أيقونة المعمار زها حديد، وفي السياسة، وفي تربية الأجيال، وحتى في مواجهة الإرهاب، حيث كنّ سنداً حقيقياً في الانتصار على عصابات داعش.
المرأة العراقية تقف اليوم على أرض صلبة، لكن طريقها لا يزال طويلاً. هي بحاجة إلى تشريعات رادعة تحميها من العنف، وإلى وعي مجتمعي يكسر هيمنة العادات البالية، وإلى دعم حقيقي ينتقل بها من الوضع البائس إلى الشراكة الفعلية في صنع القرار. في يومها العالمي، لا نحتفي فقط بإنجازاتها، بل نجدد العهد على مواصلة النضال من أجل عراق يسع الجميع، عراق تحكمه المواطنة لا الذكورة، وتصنعه النساء كما يصنعه الرجال. كما يجب أن يبقى الثامن من آذار يوماً ملهماً لمواصلة العمل من أجل إنصاف المرأة ولبناء دولة المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية الحقه.