اخر الاخبار

إن التناقضات الداخلية للتشكيل الاجتماعي الرأسمالي أصبحت واضحة الآن. ويميز الفقر وميول فقدان الأمن تجارب الكثير من الناس، وتتحدى موجات الإضرابات والتمرد التسوية الطبقية في أوروبا الغربية. ومع ذلك، نادرا ما يتحدث أحد عن الصراع الطبقي، وما تزال هناك تحفظات حول وصف المجتمع كما هو في الواقع: مجتمع طبقي.

بالمقابل، كرّس عالم الاجتماع الأمريكي إريك أولين رايت، المتوفي عام ٢٠١٩، حياته لإعادة صياغة لنظرية الطبقة من منظور علمي اجتماعي، واستكشاف إمكاناتها في إحداث التغيير الاجتماعي. تُتيح لنا أعماله الماركسية وتحليله الطبقي فرصةً للتأمل النقدي في مفهوم الطبقة في القرن الحادي والعشرين. وينطبق هذا أيضًا على الترجمة الألمانية التي نُشرت بعد وفاته لمقالته "فهم الطبقة: نحو منهج تحليلي متكامل"، والتي نُشرت لأول مرة عام ٢٠٠٩ في مجلة "نيو ليفت ريفيو"، بالإضافة إلى إعادة نشر حوار بعنوان "لماذا الطبقة مهمة" المنشورة اول مرة مجلة "جاكوبين". يتوفر النصان الآن في كتاب "لماذا الطبقة مهمة"، مع خاتمة بقلم أوليفر ناختوي.

الخيار الوحيد

بينما مثّلت الماركسية في سبعينيات القرن العشرين، كما يكتب رايت عن بداية عمله حول الطبقة، "خيارًا لا بديل له بالنسبة لباحث راديكالي جاد"، لم يعد الامر، بحلول تسعينيات القرن العشرين كذلك. ومع ذلك، ظل رايت ملتزمًا بالماركسية. وبالنسبة له، عنى ذلك عدم التخلي عن الطبيعة النقدية لمفهوم ماركس عن الطبقة، وتحديد آليات الاستغلال والهيمنة المهمة بالنسبة لمثل التحرر العليا. يرى رايت، "يكمن هدف السعي لفهم البنية الطبقية للرأسمالية في فهم شروط تحولها".

انصبّ اهتمام رايت المعرفي، بهذا المعنى، على تطوير نموذج طبقي معاصر. وهكذا وضع عالم الاجتماع الماركسي معايير عالية لتحليل الطبقات، كما يتضح جلياً في نصوص كتابه "لماذا الطبقة مهمة". وبينما لا تتضمن مقالة "فهم الطبقة" سوى الأسس التحليلية المكثفة لمنهج رايت الطبقي، فإن الحوار يقدم نظرة على فهمه السياسي العميق للبحث العلمي.

تحليل طبقي جامع

لفهم العلاقات الطبقية الرأسمالية كبنية اجتماعية ضارة، يجمع رايت بين نماذج نظرية طبقية متنوعة، يُبرز كل منها آلية رئيسية وجوانب تكميلية للبنية الطبقية، في نموذج متعدد المستويات. وهذا يُمكّنه من فهم الطبقة كنتيجة للتفاعلات المعقدة بين آليات مختلفة تم تحديدها في مناهج منفردة.

تُحدد آليات الاستغلال والهيمنة الانقسام الطبقي الجوهري في التشكلات المجتمعية الرأسمالية، وهي، كما يُشير رايت، "أكثر الطرق إثارةً للجدل في التفكير بالطبقة. يتجاهل معظم علماء الاجتماع هذه الآليات عند حديثهم عن الطبقة، بل وينكر بعضهم صراحةً أهميتها". ولذلك، وفقا لنقد ماركسي كلاسيكي لتحليلات التراتبية، التي تُقسّم المجتمع وفقًا للطبقات، بأن معايير مثل الاستغلال والهيمنة تجاهلها، وأن "التميز" هو أقصى ما يُناقش. ومن ثم، ليس من المستغرب أن تهدف التحليلات الحالية للبنية الاجتماعية في المقام الأول ليس إلى نقد الهيمنة، بل إلى وصف مُفصّل لعدم المساواة الاجتماعية.

يستند رايت إلى المنهج التحليلي الاجتماعي البنيوي للسمات الفردية، المتجذر في هذا التراث النظري. يُعرَّف الطبقة بأنها الارتباط المنهجي بين الخصائص الفردية، كالجنس والعرق والتعليم والأصل -وظروف المعيشة المادية للأفراد. ضمن هذا الإطار التحليلي، تُختزل الطبقة إلى مفهوم وصفي بحت للنظام. مع ذلك، وبدلًا من رفض الإسناد الفردي كليًا، يرى رايت في الطبقة فرصةً لمناقشة العلاقة بين الخصائص الفردية وظروف المعيشة المادية. فهو لا يكتفي بدراسة الآلية التي يُصنَّف بها الناس في مواقع اجتماعية، بل يُخضع هذه المواقع نفسها لدراسة نقدية.

إن إدراك الاستغلال والهيمنة كمحورين أساسيين في تحليل الطبقات يركز الانتباه إلى بنية المواقع الاجتماعية. ففي المنهج الماركسي، يكمن الانقسام الطبقي المركزي داخل المجتمع الرأسمالي بين من يملكون وسائل الإنتاج ويسيطرون عليها -الرأسماليون – ومن يوظفون لاستخدام هذه الوسائل –العمال (أي من يبيعون قوة عملهم-المترجم).

يتناول رايت، في سياق التقاليد الفيبرية (نسبة الى عالم الاجتماع ماكس فيبر-المترجم)، أهمية السلطة داخل البنى الاجتماعية من خلال مفهوم الانغلاق الاجتماعي، الذي يركز على استبعاد المهمشين. ويُبين عملية احتكار الفرص، وكيف يُستبعد الأفراد من المناصب (المهنية)، ويسلط الضوء على آليات الإقصاء التي تُشكل البنى الطبقية. فعلى سبيل المثال، يُقيد الوصول إلى المهن بناءً على المؤهلات التعليمية، بينما يرتبط الحصول على التعليم بمتطلبات اجتماعية كالمستوى المعيشي المادي. وهكذا، يُحدد احتكار الفرص الآلية المركزية التي تُميز وظائف الطبقة الوسطى عن وظائف الطبقة العاملة الأوسع.

يربط رايت بين الآليات الرئيسية المختلفة لنماذج نظرية الطبقات المختلفة، ويُبين كيف تؤثر الخصائص الفردية على الوصول إلى المناصب (المهنية) وكيف يُحرم الناس من هذه المناصب. ومع ذلك، تبقى الملكية الخاصة الرأسمالية أهم آلية للإقصاء، إذ تهدف إلى الاستيلاء على عمل العمال المأجورين الذين لا يملكون أي ممتلكات.

السعي نحو الاشتراكية

باختصار، تُقدم مقالة "فهم الطبقة" مدخلاً جيداً لمختلف النماذج، وحدودها التحليلية، وإمكاناتها في دراسة مجتمع الطبقات المعاصر دراسة نقدية. والأهم من ذلك، يُبيّن رايت أن الاعتراضات على مفهوم الطبقة -باعتباره معيار اختزال اقتصادي، غير صحيح. وفي الحوار حول "لماذا الطبقة مهمة؟"، يُوضّح المؤلف أيضاً بشكلٍ مُقنع أهمية مفهوم الطبقة في النظرية والممارسة الاجتماعية النقدية. ويرى رايت أن الهدف الرئيسي لتحليل الطبقة هو توضيح شروط تجاوز الرأسمالية وإقامة بديل اشتراكي. هذا الطموح غائبٌ تماماً تقريباً عن النظريات السائدة يشأن عدم المساواة الاجتماعية، مما يُعيد إحياء أهمية التحليل الطبقي الماركسي.

يشيد أوليفر ناختوي في الخاتمة بمنهج رايت، واصفًا إياه بأنه "ربما الأكثر طموحًا وشمولية ودقة" في فهم تحولات البنية الطبقية نظريًا وتجريبيًا. ومع ذلك، وانطلاقًا من الانتقادات المادية النسوية، يُشير ناختوي إلى ثغرة تحليلية سبق أن أشير إليها في نقد كارل ماركس للاقتصاد السياسي: إهمال مسألة كيفية ارتباط أعمال الرعاية، أي جميع الأنشطة التي تهدف إلى إعادة تأهيل الناس ورعايتهم -بالوضع الطبقي. وهذا ليس بالأمر الهين، بالنظر إلى التغيرات في البنية الاجتماعية الراهنة، والتي تتجلى في تزايد أعداد العاملين في قطاع الخدمات وتوسع نطاق النضالات العمالية في قطاعي الصحة والتعليم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

إريك أولين رايت: "لماذا الطبقة مهمة؟"  صدر عن دار نشر سوركامب الألمانية في برلين

*-مقالة للباحثة المشاركة في معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت، لينا رايشاردت، المتخصصة في البحث النظرية الاجتماعية النقدية والاقتصاد السياسي لأعمال الرعاية. نشرت قي جريدة نيوز دويجلاند، في 23 أيلول 2023.