في التاسع من نيسان 2003، انتهى غزو الولايات المتحدة للعراق بإسقاط دكتاتورية صدام حسين، التي لا يمكن أن يخطئ أي تناول موضوعي ملامحها الفاشية على صعيد الممارسة. وارتباطًا بالذكرى الثالثة والعشرين التي تمر هذه الأيام، فان من المفيد استذكار الصراع السياسي والفكري الذي دار بين الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين الرافضين للحرب الإمبريالية والدكتاتورية الغاشمة معًا، وبين مجاميع يسارية وقومية عربية تبنّت موقفًا أحاديَّ الجانب، يرفض الحرب ويعتبر نظام صدام حسين معاديًا للإمبريالية.
تستند هذه المساهمة إلى صراع يومي ونقاشات حادة كنتُ أحد المساهمين فيها مع يساريين ألمان وأوروبيين وعرب، كانوا يدافعون عن شرعية مفترضة لنظام صدام حسين، مستندين إلى المقولة الشائعة التي أثبتت الحياة خطأها: "عدو عدوي صديقي". بل أن بعضهم ذهب بعيدًا، وكان يرى في حزب السلطة حزبًا اشتراكيًا ديمقراطيًا. أما القوميون العرب والإسلاميون من غير العراقيين، فراحوا يرفعون راية الدفاع عن نضال الشعب الفلسطيني العادل في سبيل نيل حقوقه المشروعة، مدّعين أن صدام حسين، الذي شنّ حرب إبادة داخلية ضد الشعب العراقي، يقف في مقدمة الساعين لتحرير فلسطين.
موقف واضح
في البداية لا بد من التأكيد على أنه لا شك في صحة الموقف اليساري الذي يعارض بشدة أي دعم لخطط الولايات المتحدة العسكرية لتغيير الأنظمة، والتي لن تؤدي إلى تحرير الجماهير، بل إلى الموت والبؤس، وفي أحسن الأحوال إلى استبدال نظام دكتاتوري بآخر هجين يبني دولة فاشلة، كما هو الحال في العراق اليوم. واستنادًا إلى التجربة الملموسة، فإن أي تعويل على تغيير مرتقب بفعل خارجي يعني أن من يتبناه لم يتعلم شيئًا من تجربة 23 عامًا قاسية مرّت على شعبنا العراقي.
لم يكن عداء نظام صدام حسين المعلن للولايات المتحدة والكيان الصهيوني حقيقيًا، ولم يكن النظام، بأية حال، نظامًا تقدميًا، بل كان نظامًا شديد العداء للشيوعية. لقد قمع النظام الحزب الشيوعي العراقي والقوى القريبة منه بوحشية قلّ نظيرها. وتعرّضت الشيوعيات والشيوعيون إلى حملات إعدام، وقضى الكثير منهم زهرة شبابه في سجون النظام، فيما أُجبر الكثيرون منهم على الرحيل إلى المنافي، واستشهد عدد كبير منهم خلال سنوات الكفاح المسلح الذي مارسته قوات الأنصار الشيوعية في كردستان، أو في مسارات العمل السري في مدن وقصبات العراق. وعلى الرغم من كل هذا، امتلك الشيوعيون موقفًا شجاعًا وواضحًا، فرفضوا الحرب الإمبريالية على شعبنا العراقي بالدرجة نفسها التي ناضلوا بها ضد الدكتاتورية، رغم أن أغلب أحزاب المعارضة، على اختلاف مشاربها، راهنت على الحرب والحصار كوسيلة لإسقاط النظام.
انقسام اليسار
إن انقسام اليسار العالمي، واليسار العراقي بدرجة أقل، بشأن الموقف من الحرب على أسس جيوسياسية، ليس ظاهرة جديدة. فكثيرًا ما تُصوَّر الصراعات السياسية من منظور تناقضات أولية وثانوية مفترضة، وتُصنَّف ضمن إطار الدولة القومية بدلًا من فهمها في سياق نضالات الشعوب الملموسة.
لقد بدا موقف المدافعين عن شرعية النظام واضحًا قبل غزو 2003، عندما هاجموا انتفاضة الشعب العراقي الباسلة في آذار 1991، معتبرين إياها عملًا منظّمًا من قبل وكالة المخابرات المركزية أو الموساد، وهي تهم لا تبتعد كثيرًا عن تلك التي واجه بها الحكام الحاليون الحركة الاحتجاجية في شباط 2011، وصولًا إلى انتفاضة تشرين 2019. أما إبادة النظام لعشرات الآلاف من العراقيين ودفنهم في مقابر جماعية، كُشف عنها بعد الاحتلال وإسقاط الدكتاتورية، وكذلك قصف النظام لمدن العراق بالصواريخ، فهي بالنسبة لهم تفاصيل ثانوية لا تستحق التوقف عندها. فبدلًا من التضامن الأممي مع المنتفضين الذين خرجوا إلى الشوارع حينها مطالبين بحياة كريمة وقُتلوا جماعيًا، تبنّت بعض أطياف اليسار الشكوك الجيوسياسية ونظريات المؤامرة. وراحت وسائل إعلام قومية تدّعي أن اتهام نظام صدام حسين بممارسة الإبادة الجماعية هو محاولة للتقليل من جرائم الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني. والمؤلم أن رفاقًا وأصدقاء في أوساط اليسار الفلسطيني تبنّوا هذه الرؤية، وانساقوا وراء خداع صدام حسين وصديقه القذافي.
معاداة إمبريالية أحادية الجانب
ما الذي يكمن وراء تكرار التباين بين قوى اليسار بشأن الصراعات الجارية في العالم؟ يستند هذا التباين إلى تقسيم العالم إلى معسكرات متناحرة، على سبيل المثال: الغرب في مواجهة "بقية العالم". وفي سياق هذا التقسيم الأحادي الجانب، يتم تهميش نضالات الشعوب ضد حكامها المستبدين تحت يافطة "العدو الرئيسي"، في تجاوز واضح للرؤية الأممية الجدلية التي تشكّل سدى ولحمة النضال التحرري في العالم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يُنظر إلى النضال التحرري للشعب الكردي في العراق باعتباره "صراعًا عرقيًا" أو نهجًا خاطئًا، بينما جرى الاستهانة بالنضال ضد الشمولية ومن أجل حياة كريمة والخلاص من النظام الدكتاتوري حينها، وتم تصويره على أنه اضطرابات أو سخط أو قضية ثانوية.
إن إشكالية هذا التقسيم القسري للصراع في العالم تتجسد في حصر شعوب الجنوب العالمي في إطار ضيق؛ فهم لا يظهرون كفاعلين رئيسيين، بل مجرد ضحايا أو، في أحسن الأحوال، ثمن ضروري للصراعات الجيوسياسية التي تحكم العالم.
تناقض مفتعل
من المفيد الإشارة إلى أن الذين كانوا يدعون علنًا إلى ضرورة الحفاظ على نظام صدام حسين لم يشكّلوا أكثرية في اليسار العالمي. ويؤشر موقف هذه الأقلية إلى إهمال واضح لنضالات الشعوب ضد أنظمة قمعية، كانت الدكتاتورية المنهارة مثالًا صارخًا لها، لأن هذه الأقلية ترى الأولوية للنضال ضد الإمبريالية الغربية فقط، ولا ترى في توق الشعوب المناضلة ضد الاستبداد قضية تستحق التوقف عندها.
وهكذا، لا يصبح قتل الناس في حد ذاته المشكلة الرئيسية، بل السؤال عن هوية القاتل. هكذا يفكر أصحاب نظرية المعسكرات المتقابلة، التي لا تُركّز على الدفاع عن الحياة، بل على تحديد هوية القاتل، سواء بالحرب أو عبر استبداد محلي.
وتكمن الإشكالية الأساسية في افتراض تعارض بين الإمبريالية الغربية والأنظمة الاستبدادية كالدكتاتورية المنهارة في العراق، وأنه لا وجود لمصالح مشتركة بين الطرفين، وهو افتراض روّج له النظام كعنصر أساسي في دعايته السياسية طيلة 35 عامًا. لكن الواقع مختلف.
من مخلفات الحرب الباردة
يعود استخدام مفهوم "مناهضة الإمبريالية موضوعيًا" لوصف بعض الحكومات الرجعية، إلى عقود الحرب الباردة. حينها اعتُبرت العديد من نظم البرجوازية عاملًا يعزّز الكتلة السوفيتية بسبب تحالفها مع الاتحاد السوفيتي، على الرغم من ابتعاد سياساتها الداخلية عن المثل الاشتراكية، انطلاقًا من فكرة ضرورة التحالفات التكتيكية في سياق صراع الكتلتين. ولم يكن هذا المفهوم خاليًا من الإشكاليات حتى خلال الحرب الباردة. ومع ذلك، كان العالم آنذاك يتسم بصراع نظامي حقيقي بين عالم اشتراكي، بكل ما له وما عليه، وآخر رأسمالي، حيث مثّل حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة الفاعل الإمبريالي الأقوى والأكثر عدوانية. لكن تفكك النظام الاشتراكي أفقد هذه الرؤية قيمتها، ولعل من أهم مشاكل العالم اليوم غياب البدائل التقدمية القادرة حقًا على مواجهة الهوس الإمبريالي.