ليس من الدقة اختزال ما يجري في العالم اليوم بشخص دونالد ترامب، أو التعامل معه بوصفه مجرد ظاهرة فردية عابرة، مهما بدا صاخبا أو صادما في خطابه وسلوكه السياسي، فترامب في جوهره ليس مجرد رجل يثير الجدل، بل هو تعبير سياسي مكثف عن طور جديد من أطوار الإمبريالية الأمريكية، أكثر خشونة وصلافة وأكثر اندفاعا، وأكثر اعتمادا على الفوضى المنظمة، وصناعة الارتباك، وتوظيف التناقضات بوصفها أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة وفرض السيطرة.
إن الانشغال بالتحليل النفسي لشخصية ترامب، أو محاولة تفسير السياسات الأمريكية من خلال مزاج فرد أو نزعاته الشخصية، قد يبدو مغرياً من الناحية الإعلامية، لكنه يظل قاصرا عن الإحاطة بجوهر المسألة فالقضية ليست قضية شخص، بل قضية نظام رأسمالي مأزوم، يبحث عن وسائل جديدة للبقاء والتفوق في عالم يتغير بسرعة، وتتصاعد فيه التناقضات الدولية، وتتراجع فيه قدرة المركز الإمبريالي التقليدي على إدارة العالم بالأدوات القديمة وحدها.
لقد كانت الإمبريالية الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعتمد مزيجا من القوة العسكرية، والتحالفات الدولية، والمؤسسات الاقتصادية، والخطاب الليبرالي، لتكريس موقعها القيادي في النظام العالمي، غير أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، ولا سيما صعود قوى دولية جديدة كالصين، وعودة روسيا إلى مسرح التوازنات الحادة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية البنيوية داخل الرأسمالية نفسها، دفعت واشنطن إلى تعديل أساليبها، دون أن تغيّر جوهر مشروعها.
وهنا بالضبط يبرز ما يمكن تسميته بـ "طور ترامب" ليس بوصفه مرحلة مرتبطة بالرجل وحده، بل باعتباره نموذجا لأسلوب إمبريالي جديد يقوم على إدارة الفوضى بدلا من إدارة الاستقرار، وعلى صناعة اللايقين بدلا من تثبيت القواعد، وعلى استخدام التهديد والابتزاز الاقتصادي والسياسي والعسكري كأدوات متزامنة في معركة الهيمنة. فالتضارب الظاهر في التصريحات، والتنقل بين لغة الحرب ولغة التفاوض، والتراجع ثم العودة إلى التصعيد، ليست كلها بالضرورة علامات ارتباك أو ضعف، بل قد تكون في جانب مهم منها جزءا من استراتيجية محسوبة لإرباك الخصوم والحلفاء معا، وإبقاء الجميع في حالة انتظار دائم، بما يسمح بفرض وقائع جديدة على الأرض.
إن ما تمارسه الإدارة الأمريكية اليوم لا يمكن قراءته بوصفه رد فعل عابر على أزمة هنا أو نزاع هناك، بل ينبغي النظر إليه باعتباره جزءًا من محاولة أوسع لإعادة رسم موازين القوى الدولية. فحين توضع إيران في واجهة الاستهداف، لا يكون الأمر متعلقا بإيران وحدها، بل بما تمثله من موقع في شبكة الصراع الإقليمي والعالمي.