نعم، إن مصطلح "الترامبية" سيدخل التاريخ، سجّلوا ذلك عني. سيدخل بوصفه تعبيرًا عن الوجه الأسود، وعن البلطجة والاستهتار الدولي، وزيف الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تتشدق بها الرأسمالية. نعم، سيدخل التاريخ من بابه الأسود المشؤوم، كما دخلت "المكارثية"، بل أسوأ منها؛ لأن المكارثية كانت تستهدف الفكر الشيوعي واليساري وكل ما هو ماركسي، بل شملت حتى من يتبنى القيم الإنسانية ويدافع عنها، وإن كان مستقلاً.
أما الترامبية، فقد استهانت بكل القوانين الدولية، وفاحت منها رائحة الإمبريالية العفنة. وصدق حدس ماركس؛ فها هي البربرية تعود من جديد، فهذا ترامب يريد ضم كندا، ويرغب في احتلال أو شراء الجزيرة الدنماركية (غرينلاند)، واستولى على نفط فنزويلا، ويسعى إلى نفط إيران، ومعادن أوكرانيا الثمينة، ويفكر باحتلال كوبا، وهكذا، شيئًا فشيئًا، تُنسف المعاهدات والمواثيق الدولية، ومبادئ الأمم المتحدة.
ولم يسلم منه حلف الناتو، رغم أن الولايات المتحدة جزء أساسي فيه، إذ تجاوز كل مستلزمات اللياقة والدبلوماسية حين نعت دول الحلف بالجبناء علنًا، وسخر من رئيس أوكرانيا وغيره من الرؤساء، وتطاول على ملوك وحكام ورؤساء دول بألفاظ نابية تفضح البيئة التي جاء منها: مستنقع إبستين، وصالات القمار، وبيوت الدعارة، ناهيك عن اصطفافه مع الحكام الصهاينة، قتلة الأطفال ومرتكبي المجازر، أمام العالم، بحجج واهية، ولا يزالون يرتكبون الجرائم ليل نهار في فلسطين ولبنان وغيرها.
اليوم، يُعاد إنتاج هتلر وموسوليني بصيغ جديدة؛ فهتلر أراد للعرق الألماني قيادة العالم، أما ترامب فيريد لعشيرة إبستين أن تحكم العالم بسلوكياتها، القائمة على الرذيلة والخسة والقتل والإجرام.
عن أي ديمقراطية يتحدث ترامب ويريدها لبعض الدول...؟ وأين الديمقراطية في أمريكا...؟... إن الديمقراطية، بالنسبة للشعوب الغربية، وبخاصة أنظمتها، تعني الليبرالية، بما تشمل من انتخابات حرة، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، وحماية الحريات الأساسية. ورغم أن الديمقراطية قد ترسخت عبر عقود طويلة، وقدّمت خلالها هذه الشعوب تضحيات جسامًا للوصول إلى هذه المرحلة، فإننا نرى اليوم أن الناخبين يتأثرون بأبواق الدعاية الانتخابية وما يتخللها من تضليل، تُرصد له الأموال والخطط لخلق أجواء زائفة بعيدة عن الشفافية، تُرفع خلالها الشعارات والوعود الرنانة.
أما الديمقراطية الأمريكية، التي يعدّها البعض نموذجًا يُحتذى به، فما هي إلا صورة مشوهة للديمقراطية التي تعني حكم الشعب، فأي شعب يحكم في أمريكا؟ كم عدد ممثلي العمال والفلاحين في الكونغرس الأمريكي؟ وكم من أبناء الكادحين يستطيع الوصول إلى مواقع القرار في الولايات المتحدة؟
وهل يعلم البعض أن المحكمة العليا، وهي إحدى السلطات الثلاث الرئيسة في أمريكا، بل تُعد أعلى سلطة قضائية، تتكون من تسعة قضاة غير منتخبين يُعيَّنون مدى الحياة؟ وأن مجلس الشيوخ لا يقوم على تمثيل سكاني عادل، إذ ترسل كل ولاية عضوين فقط، بغض النظر عن عدد سكانها؟ فولاية ككاليفورنيا، التي يتجاوز عدد سكانها ثلاثين مليون نسمة، لها التمثيل نفسه لولاية كأريزونا، التي يقل عدد سكانها عن أربعة ملايين. وهكذا، لا يوجد تمثيل حقيقي للمواطنين، لا في العدد ولا في المصالح.
ومن يحكم فعليًا هم أصحاب رؤوس الأموال، ومجمعات الصناعات العسكرية، ومالكو البنوك ووسائل الإعلام وشبكات الاتصال، الذين يسيطرون على مفاصل الاقتصاد العالمي وتسويق النفط.
إن العالم اليوم يمر بمرحلة مخاض عسير، تتشابك فيها المصالح، ويتصاعد فيها الصراع على الطاقة والمعادن والطرق اللوجستية. وللأسف، صعدت في أوروبا حكومات تابعة لمجموعات النفوذ ذاتها، بينما يواصل ترامب نهجه، رغم الاحتجاجات الواسعة ضده في أمريكا، وكأن لديه مخططات يسعى لتنفيذها قبل مغادرته السلطة.
والعالم يتفرج؛ فلا نكاد نسمع أصواتًا رادعة قوية من الصين أو روسيا أو أوروبا، إلا في حدود ضيقة، بينما تستمر اللعبة.
إن ما تتطلبه المرحلة اليوم من الحريصين على الديمقراطية هو بناء قاعدة جماهيرية واعية، والنضال من أجل نظام عالمي جديد يواكب العصر، لا يسمح بالتجاوزات ولا بالحروب، ويمنع انتهاك القوانين الدولية، كما يتطلب وجود محاكم دولية فاعلة تدعم الديمقراطية، وتعيد لها مصداقيتها، وتكفل احترام حقوق الإنسان فعلًا لا شعارًا.
اليوم، تبدو الديمقراطية جسدًا بلا روح، وإحياؤها يتطلب توسيع الحريات العامة دون تضييق أو تلاعب، وصيانتها عبر التوعية المستمرة بقيمها ومبادئها. فالديمقراطية، رغم نواقصها، تبقى الأمل الأفضل للشعوب، وتطويرها وصيانتها مسؤولية إنسانية تجاه حاضرنا ومستقبلنا.
أما "الترامبية"، فستبقى وصمة عار في جبين الإمبريالية البربرية.