مع انطلاق الموسم الزراعي الصيفي، تتجدد آمال الفلاحين بتحقيق إنتاج يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، إلا أن الواقع الميداني في العديد من المناطق الزراعية، ولا سيما في محافظة النجف، يكشف عن تحديات كبيرة تهدد نجاح الخطة الزراعية وتضعها أمام اختبار صعب.
قبل أيام، لفت انتباهي ما كتبه أحد الفلاحين من ناحية العباسية في محافظة النجف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، محذراً المزارعين في منطقة طبر سيد جواد من التسرع في استثمار مدخراتهم لزراعة الموسم الصيفي، بسبب عدم توفر المياه حتى الآن. وهذه المشكلة لا تقتصر على تلك المنطقة فقط، بل تمتد إلى مناطق أخرى، من بينها طبر آل إبراهيم في قضاء المشخاب، حيث يؤكد العديد من الفلاحين المعتصمين أمام مبنى محافظة النجف، منذ أكثر من تسعة أيام، أن معاناتهم تتجاوز قضية المياه لتشمل سلسلة من المشكلات المتراكمة.
ويشير الفلاحون إلى أن عدداً كبيراً منهم لم يتسلم البذور المصدقة حتى الآن، في وقت تتردد فيه شكاوى بشأن وصول جزء منها إلى فئات محددة من المزارعين على حساب الآخرين. كما يعانون من نقص مستلزمات الإنتاج الزراعي الأخرى، وفي مقدمتها الأسمدة، فضلاً عن تأخر صرف مستحقاتهم المالية عن المواسم السابقة، الأمر الذي أضعف قدرتهم على الاستعداد للموسم الحالي.
وتبرز أيضاً قضية تسعيرة الحنطة بوصفها إحدى النقاط الخلافية المهمة، إذ يطالب الفلاحون بإعادة العمل بالسعر الأساسي البالغ 850 ألف دينار للطن، مؤكدين أن اعتمادهم على شراء العديد من مستلزمات الإنتاج من الأسواق الموازية وبأسعار مرتفعة جعل العملية الزراعية أقل جدوى من الناحية الاقتصادية وأكثر عرضة للخسائر.
ورغم الجهود التي تبذلها دوائر الموارد المائية في أعمال كري الأنهار وتنظيفها من نبات الشمبلان وزهرة النيل، التي انتشرت بشكل واسع في العديد من المجاري المائية العراقية، فإن الفلاحين يرون أن هذه الإجراءات كان ينبغي أن تُنجز قبل فترة كافية من بدء الموسم الزراعي، لضمان وصول المياه إلى الأراضي الزراعية في الوقت المناسب.
ومع ذلك، تبقى أزمة الكهرباء واحدة من أكثر العقبات تأثيراً على نجاح الموسم. فعمليات الري تعتمد بشكل أساسي على تشغيل مضخات المياه، في حين يشكو الفلاحون من ضعف ساعات التجهيز الكهربائي، التي لا تتجاوز في بعض المناطق ساعتين من التشغيل مقابل ست ساعات من الانقطاع. وفي ظل هذه المعادلة، يصبح من الصعب على المزارع توفير المياه اللازمة لمحاصيله، حتى في حال توافر الحصص المائية.
وتزداد المشكلة تعقيداً مع عدم توزيع حصص زيت الغاز (الكاز) المخصصة لأصحاب مضخات الديزل حتى الآن، ما يحرم الفلاحين من بديل يمكن الاعتماد عليه لتعويض نقص الطاقة الكهربائية.
واليوم، وبعد مرور أكثر من عشرين يوماً على انطلاق الموسم الزراعي، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة سريعة للواقع الميداني، خصوصاً أن الخطة الزراعية صُممت على أساس زراعة نحو 80 في المئة من المساحات المستهدفة، اعتماداً على توقعات تشير إلى موسم رطب وتوافر حصص مائية مناسبة. غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن الواقع يختلف عما خُطط له، ما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لتفادي تعثر الموسم.
ومن بين أهم الحلول المطلوبة، الإسراع في توزيع البذور المصدقة على الفلاحين واستكمال هذه العملية دون تأخير، لأن الوقت عامل حاسم في نجاح الموسم الزراعي. كما ينبغي توفير الطاقة الكهربائية للمناطق الريفية ومنح القطاع الزراعي أولوية أكبر في التوزيع خلال فترات الري، فضلاً عن الإسراع في تجهيز أصحاب المضخات بحصص الكاز المقررة لهم.
كذلك يتطلب الأمر استكمال أعمال كري وتنظيف الأنهار والجداول من نبات زهرة النيل والشمبلان، وزيادة الإطلاقات المائية في الأنهار الرئيسية والفرعية بما يضمن وصول المياه إلى جميع الأراضي المشمولة بالخطة الزراعية. كما أن صرف المستحقات المالية المتأخرة للفلاحين يمثل خطوة أساسية تمكنهم من شراء مستلزمات الإنتاج الزراعي، بدءاً من الحراثة والتسوية، مروراً بالبذور والأسمدة والمبيدات، وانتهاءً بعمليات الخدمة والحصاد، بما يقلل من حاجتهم إلى الاستدانة التي أثقلت كاهلهم خلال السنوات الماضية.
إن نجاح الخطة الزراعية الصيفية لا يعتمد على وزارة واحدة أو جهة بعينها، بل يتطلب تنسيقاً وتكاملاً بين وزارات الزراعة والموارد المائية والكهرباء والتجارة والجهات الساندة الأخرى. كما يستوجب تجاوز الإجراءات الروتينية والبيروقراطية التي تؤخر وصول الدعم إلى مستحقيه، والتعامل مع الزراعة بوصفها قطاعاً استراتيجياً يمثل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي الوطني.
فإذا لم تُتخذ المعالجات المطلوبة بالسرعة اللازمة، فإن خطر فشل الموسم الزراعي سيبقى قائماً، بما يحمله ذلك من خسائر للفلاحين وانعكاسات سلبية على الأمن الغذائي للمواطنين. كما أن ترك الأراضي الزراعية دون استغلال لفترات طويلة قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات التملح والتصحر، وهو ما يجعل دعم الموسم الزراعي الحالي ضرورة وطنية تتجاوز حدود القطاع الزراعي لتشمل الاقتصاد والمجتمع بأكمله.
ــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري