اخر الاخبار

يمثل قرنٌ من كفاح الحزب الشيوعي الصيني ملحمةً تتجاوز السياسة لتلامس جوهر التطور الحضاري؛ فهي رحلةٌ فلسفية صهرت المادية التاريخية في بوتقة "الروح" الصينية الأصيلة، محولةً الأيديولوجيا من "نصٍ جامد" إلى "واقعٍ حي" يعيد صياغة مصير العالم . ويتجلى كل ذلك في الآتي : 

أولاً: التكوين الأيديولوجي والتحول الداخلي

إن قراءة تاريخ الحزب منذ 1921 هي دراسة في "الصيرورة الديالكتيكية" التي زاوجت بين الأدوات الماركسية والفلسفة الحضارية الصينية. لقد واجه الحزب معضلة التكيّف مع مجتمع زراعي، فابتكر "صيننة الماركسية" بقيادة ماو تسي تونغ، الذي نقل ثقل الثورة من عمال المدن إلى الفلاحين، محولاً الذات الصينية من مفعول به إلى فاعل تاريخي.

بعد ماو، قاد دينغ شياو بينغ مرحلة "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، معتمداً مبدأ "البحث عن الحقيقة من الوقائع". لم يجد الحزب تناقضاً بين آليات السوق والتخطيط السيادي، بل رأى في القوى المنتجة معياراً لنجاح الفلسفة. وقد توجت هذه المسيرة مع الرئيس شي جين بينغ، عبر "فكر العصر الجديد" الذي ركز على الحوكمة الصارمة والقضاء على الفقر المدقع لـ 800 مليون إنسان؛ معيداً بذلك الاعتبار لكرامة الإنسان بوصفها الغاية الأسمى، ومقدماً نموذج "الديمقراطية الشعبية كاملة العمليات" كبديل واقعي للشكليات الغربية.

ثانياً: الفلسفة الجيوسياسية والتناغم العالمي

على الصعيد الخارجي، قدم الحزب صياغة ثورية للعلاقات الدولية تتجاوز عقلية الهيمنة والمباراة الصفرية. تقوم الرؤية الصينية على إرث "تيانشيا" (كل ما تحت السماء)، حيث العالم كلٌ متكامل. ومنذ "المبادئ الخمسة للتعايش السلمي" (1954)، التزمت بكين باحترام السيادة ورفض التدخل في الشؤون الداخلية.

لم يسعَ الصعود الصيني لاستنساخ الاستعمار، بل اعتمد فلسفة "التنمية السلمية" القائمة على المصالح المتبادلة. وفي العصر الجديد، بلور الرئيس شي مفهوم "مجتمع المصير المشترك للبشرية"، الذي يمثل الذروة الفلسفية للسياسة الخارجية الصينية، مجسداً إياه في "مبادرة الحزام والطريق"؛ ليس كمشاريع بنية تحتية فحسب، بل كـ "طريق حرير فكري" يهدف لربط الحضارات وكسر احتكار الشمال العالمي للمقدرات. إن دعوتنا اليوم هي لاستبدال الصراع بالحوار، والتوسع بالمنفعة المشتركة، إيماناً بأن العالم يتسع للجميع.

ثالثاً: العلاقات العراقية الصينية.. تثاقفٌ ومصيرٌ مشترك

في علاقة الصين بالعراق، نبتعد عن لغة المصالح الجافة لندخل فضاء "التثاقف الحضاري العميق". تاريخياً، لم تسجل الذاكرة بين حضارتي وادي الرافدين والنهر الأصفر أي صدام، بل تبادلاً إنسانياً مستمراً. وبعد عام 2003، اتخذت مقاربة الحزب الصيني تجاه العراق منحىً قائماً على "البناء والتنمية" كبديل للفلسفة التدميرية للتدخل العسكري.

تتجلى الشراكة الاستراتيجية بيننا في مبدأ "النفط مقابل الإعمار"، حيث تساهم الشركات الصينية في تطوير البنى التحتية، من قطاع الطاقة وصولاً إلى مشاريع التربية والتعليم، كما في مبادرة "الألف مدرسة". إن هذه المشاريع ليست أدوات هيمنة، بل أدوات تمكين للدولة العراقية لاستعادة دورها الجيوسياسي.

بصفتي رئيساً لجمعية الصداقة العراقية الصينية، أؤكد أن هذه الذكرى السنوية هي إعلان متجدد عن صيرورة المستقبل. إننا نرى في النموذج الصيني برهاناً على زيف أطروحة "صراع الحضارات"، ومساراً يحرر دول الجنوب من الإملاءات النيولبرالية. وكما أكد دينغ شياو بينغ، فإن الصين تقف دائماً بجانب قضايا التنمية والسيادة لشعوب العالم الثالث.

خاتمة: أفق القرن الثاني

إن القرن الأول للحزب الشيوعي الصيني أثبت أن الأيديولوجيا الحية هي التي تمتلك القدرة على التجدد والتمفصل مع الواقع دون تفريط بالثوابت الأخلاقية. لقد نجح الحزب في صهر الماركسية بالروح الصينية، محققاً معجزات تنموية وقدم للعالم، وللعراق بشكل خاص، نموذجاً للتعاون الدولي يتجاوز الأنانية الرأسمالية إلى آفاق الإنسانية الرحبة.

ومع انطلاق الحزب في مسيرته نحو القرن الثاني، تظل فلسفته منارة تؤكد أن صياغة عالم متعدد الأقطاب، عادل ومتناغم، ليست طوباوية حالمة، بل ضرورة تاريخية وحتمية ديالكتيكية لا مفر منها. إننا في العراق نرى في هذا النهج سنداً حقيقياً لتحقيق سيادتنا وازدهارنا، ونمضي قدماً في تعزيز هذه الشراكة التاريخية لنبني معاً مستقبلاً يليق بحضاراتنا العريقة.

ـــــــــــــــــ

*رئيس جمعية الصداقة العراقية الصينية