إرم نيوز
تتجه التطورات الأمنية والسياسية في العراق نحو مرحلة أكثر خطورة، بعد الحملة الواسعة التي شهدتها البلاد في إطار ما يُعرف بـ"صولة الفجر"، التي طالت شخصيات سياسية ونيابية بارزة.
يأتي ذلك وسط مؤشرات على أن المسار لم يعد مقتصرًا على مكافحة الفساد فقط، بل يتجه نحو إعادة صياغة معادلة السلاح في البلاد.
وبحسب مصادر عراقية مطلعة، فإن ما جرى في الأيام الماضية فتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة الحملة، خصوصًا أنها تزامنت مع تصاعد الضغوط الأمريكية المرتبطة بملف الميليشيات، واقتراب موعد الانسحاب الكامل للتحالف الدولي في سبتمبر/أيلول المقبل.
الفصائل.. إعادة تموضع
وبهذا الصدد، قال مصدر سياسي رفيع داخل الإطار التنسيقي، لـ"إرم نيوز"، إن "بعض الفصائل أبدت مرونة في الأيام الماضية تجاه مسار حصر السلاح بيد الدولة، خصوصًا في ظل الضغط الدولي المتصاعد والتفاهمات غير المعلنة بشأن المرحلة التي ستلي انسحاب التحالف الدولي".
وأضاف المصدر، الذي طلب حجب هويته، أن "هناك فرزًا تدريجيًا داخل الساحة المسلحة بين فصائل منفتحة على الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة، وأخرى كانت ترفض هذا المسار وتتمسك بهياكلها التقليدية، لكنها اليوم أكثر مرونة، ما يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد تطورات واقعية تحدث لأول مرة".
وفي السياق، برزت تصريحات لافتة لرئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي، الذي أكد أن "حصر السلاح بيد الدولة يحظى بإجماع سياسي بين قادة الكتل"، مشيرًا إلى "وجود توافق بين الرئاسات على رفض استمرار أي سلاح خارج إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية".
وشدد الحلبوسي على أن العراق "لن يكون جزءاً من أي توترات إقليمية"، في إشارة إلى رغبة بغداد في النأي بنفسها عن صراعات المنطقة، مضيفًا أن "القيادة العراقية أبلغت أطرافًا إقليمية، بينها إيران، بأن استمرار وجود فصائل خارج سيطرة الدولة لم يعد مقبولاً في المرحلة الحالية".
وفي موازاة ذلك، تحدث الحلبوسي عن إجراءات مرتقبة تتخذها الحكومة تجاه الجهات التي ترفض الانضواء تحت سلطة الدولة، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات أكثر حزمًا في هذا الاتجاه.
الزيدي يلوح بالقوة
وعلى خط موازٍ، جاءت تصريحات رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إذ أكد أن حكومته ماضية في تنفيذ سياسة حصر السلاح ومكافحة الفساد بالتوازي، مشددًا على أنه "لا حماية للفاسدين"، وأن قوة القانون ستكون الإطار الحاكم للمرحلة المقبلة.
وقال الزيدي إن حكومته أبلغت القيادات الأمنية بضرورة منع أي استخدام للأراضي العراقية في استهداف دول الجوار، مؤكدًا أن "العراق لن يسمح بأن يكون منطلقًا لأي تهديد إقليمي".
وفي ملف الفصائل، أشار الزيدي إلى أن الحكومة تعتمد مسارين متوازيين، الأول يتعلق بإعادة الأموال وملاحقة ملفات الفساد، والثاني مرتبط بحصر السلاح بيد الدولة".
ويرى مراقبون للشأن العراقي أن هذه التصريحات تأتي في سياق محاولة رسم حدود واضحة للعلاقة بين الدولة والفصائل، خصوصًا في ظل الحديث المتزايد عن مرحلة ما بعد انسحاب التحالف الدولي، وما قد تحمله من إعادة تشكيل للبيئة الأمنية.
تعاون مع واشنطن
بدوره، قال الخبير في الشأن الأمني العراقي، عبد الغني الغضبان، لـ"إرم نيوز"، إن "هناك قنوات للاستشارة الاستخبارية وتبادل المعلومات الأمنية بين الولايات المتحدة والجهات الأمنية العراقية، خصوصًا في ما يتعلق بملفي الفصائل المسلحة وشبكات الفساد".
وبشأن ملف نزع السلاح، أشار الغضبان إلى أن "هناك جدولاً يقضي بأن عملية نزع السلاح ستنتهي مع موعد انسحاب القوات الأمريكية في منتصف أيلول من إقليم كردستان".
وأضاف أن "هذا التوقيت كان يُستخدم سابقًا كذريعة من قبل بعض الفصائل المسلحة، ما يجعل الفترة الحالية حساسة ومبنية على تفاهمات غير معلنة بين الحكومة وبعض الأطراف المحلية، إلى جانب الجانب الأمريكي".
وقال: "لا بد من إعادة هيكلة هيئة الحشد الشعبي، مع اختيار قيادات عسكرية مهنية تتولى إدارتها، بما يضمن دمجها الكامل داخل المؤسسة العسكرية الرسمية، وتحويل توجهها من طابع عقائدي إلى توجه وطني جامع يخضع لسلطة الدولة بشكل كامل".
ويرى الخبراء أن المرحلة المقبلة قد تشهد ما يشبه "إعادة تعريف للفصائل المسلحة"، عبر فرز واضح بين تشكيلات قابلة للاندماج داخل المؤسسة العسكرية، وأخرى قد تبقى خارج الإطار الرسمي وتتعرض لضغوط متزايدة بعد الحملة على مصادر التمويل.
كما يربط هؤلاء بين هذا المسار والاستعدادات السياسية والأمنية لما بعد انسحاب القوات الدولية، فقد تتجه الحكومة إلى تثبيت معادلة جديدة تقوم على حصر القوة المسلحة بيد الدولة حصرًا، ومنع أي تعدد في مراكز القرار الأمني.