اخر الاخبار

تعد بداية العشرينات من القرن الماضي المرحلة الحقيقية في تشكيل ما يطلق عليه بالطبقة الوسطى، وتكاد تكون ولادتها متزامنة مع ولادة الدولة في عام 1921، عندما تحول جنرالات الدولة العثمانية إلى موظفين مدنيين شكلوا نواة الحكم في الدولة الوليدة، برغم أنهم حملوا القاب الباشا والأفندي إلا انهم حملوا أيضا لقب المدفعي والعسكري والمميز، تعبيرا عن انتمائهم المهني السابق للعسكرية، ولكنهم في المحصلة ارسوا دعائم دولة حديثة بالتعاون مع سلطة الانتداب البريطاني .

التداخل بين الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة

يمكن القول أن البرجوازية الصغيرة او الانتقالية كما وصفها ماركس، لكونها تجمع بين ملكية الرأسمال البسيط وبين بيع عملها المباشر في شكل سلع وحاجات الناس البسيطة وتعد انتقالية لأنها تتوسط الطبقة العاملة وطبقة الملاك الكبار بملكيتها الكبيرة لوسائل الانتاج، والمصطلح بالفرنسية Bourg كان يشير في العصور الوسطى إلى أصحاب المدن المحصنة، وهم التجار والحرفيون، وفي القرن الثامن عشر تم استخدامه في فرنسا للإشارة إلى الطبقة التي تتوسط الفلاحين والنبلاء، وفي الحقيقة،  انها في العراق كانت تشير إلى  أصحاب الرساميل الصغيرة ومالكي المانيوفكتورات البسيطة والورش اليدوية المنتجة للحاجات اليومية آنذاك، وتضم أيضا أصحاب علاوي الحبوب، والتجار الصغار وأصحاب الدكاكين وغيرهم من ذوي المهن اليدوية الوسيطة  والمنتجة، وهي بعبارة اخرى إلى جانب المنتجين الزراعيين من الاقطاعيين والفلاحين كانت عماد اقتصاد البلاد بعيد زوال الاحتلال العثماني، وقبل مرحلة اكتشاف النفط عام 1931، اما الطبقة الوسطى فيمكن ان تضم البرجوازية الصغيرة او أنها في الغالب متداخلة معها، وهي ربما في الغالب من أبنائها ممن دخل المدارس المدنية او مدارس الجيش في الاستانة وفي بغداد، وانها تضم أيضا رجال السياسة ممن كانوا أعضاء في مجلس المبعوثين تمثيلا لولايات العراق، وهم يتقاضون المعاشات من السلطة العثمانية.

إن الارتباط العضوي بين الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة، أجاز للباحثين أن يطلقوا على الطبقة الوسطى بالبرجوازية الصغيرة، وهي مزيج مهني من الموظفين العسكريين والمدنيين والتجار الصغار والكسبة، والتحقت بهم جموع الطلبة، او ممن تخرج من ثانويات العراق وكليات بغداد والذين شكلوا نواة الأحزاب السياسية في العشرينيات، ونواة الحركة اليسارية العراقية في الثلاثينيات، وقسم منها وبسبب جذوره العمالية شكل بدوره نواة الحزب الشيوعي العراقي الذي ضم عشرات الآلاف من الاعضاء والأنصار والمؤيدين، وفي عموم البلاد، وهو حزب طبقي عمالي، لكنه لم يكن ليعادي الطبقة الوسطى، ولكنه كان دوما في معرض نقد للسياسيين منها، او معاداة الشخصيات الحاكمة لميلها الواضح نحو دولة الانتداب، معرضة استقلال البلاد للخطر،  وهو في الكثير من الاحيان كان يدافع بشراسة عن مصالح تلك الطبقة باعتبارها الطبقة الاقرب إلى اهتماماته، وانها كانت طبقة مسحوقة كما كان العمال في العراق حتى قيام ثورة 14 تموز عام 1958 

دور الطبقة الوسطى في بناء وتطور الدولة في العراق

برغم المآخذ السياسية على جنرالات الدولة العثمانية لمواقفهم من الاستقلال السياسي، إلا أنهم كانوا لأسباب الضبط العسكري رجال دولة، فقد تصدوا بعقلية العسكري المنضبط والإداري المرتبط ببلده لمشاكل البلاد وكانوا يتواصلون مع التقدم الحضاري أولا بأول يبنون البلاد خطوة بخطوة، بدءا من النظام المالي الرصين، والقضائي النزيه، مرورا بالتعليم المتين وصولا إلى تأسيس جيش مهني كان قادرا على حماية أمن البلاد، وان كان قد زج في بعض المعارك الداخلية، إلا أنه كان جيشا مهنيا حتى لحظة حله من قبل الحاكم المدني بول بريمر عام 2003 .

كان لاكتشاف النفط إبان الثلاثينيات أثره المباشر في توسع المشاريع الحكومية في غياب الرأسمال الحقيقي للقطاع الخاص، وكان لأفكار البرجوازية الصغيرة وتعاملها الواقعي مع الزمن الذي كانت تعيش فيه، أن قامت بالتعاون مع الشركات الأجنبية وسلطة الانتداب بمد السكك الحديدية وإنشاء الموانئ وبناء السدود وشق الطرق وبناء المدارس وتأسيس البريد والبرق والهاتف وإقامة محطات الماء والكهرباء ( في نهضة عمرانية ملموسة ) وكان العراق سباقا في تأسيس الاذاعة اللاسلكية عام 1936، والخطوط الجوية العراقية عام 1946 ومصرف الرافدين 1941، وهكذا قادت هذه الطبقة الحركة العمرانية والسياسية في الاربعينات والخمسينات وأقامت اكبر صناعة في الستينات بعد قرارات التأميم لعام 1964  وتوسع انتشارها في السبعينيات بعد عودة المبعوثين من الطلاب بعد انتهاء دراساتهم العلمية في دول العالم المتقدم  حتى اندلاع الحرب العراقية الايرانية عام. 1980.

وبرغم سلوك الدكتاتورية، وانحسار دورها في ظل حكومات البعث، الا انها كانت وراء محو الأمية في البلاد ونمو الوعي السياسي المناهض للنظام، وأنها بالمقابل كانت والأحزاب المعارضة لنظام البعث، الأشد تعرضا للتنكيل، ولكنها ظلت تؤدي دورها المطلوب حتى جاء الاحتلال عام 2003.

احوال الطبقة الوسطى بعد الاحتلال

إن التغييرات التي شهدتها البلاد جراء الحرب، وجراء الاحتلال، وجراء نهب الأموال، وجراء نمو شرائح جديدة او كيانات طارئة نتيجة لسرقة الكويت والمال العام وتصدرها المشهد السياسي والموقع المالي والاداري، ان توسعت هذه الشريحة على حساب الطبقة الوسطى بل افقرتها، وتركت البطالة تنهش في اجيالها المتعاقبة، وصارت تترك  مكامنها الاجتماعية السابقة في المدن الفقيرة وتسكن المنصور والجادرية والمناطق الراقية في المحافظات  والمربعات السكنية متمردة على أصولها الاجتماعية وهي تعبر الطبقة الوسطى بسرعة الصاروخ لتشكل لنفسها عالما صغيرا يحتمي بالمال والسلطة وتركت وفق نظام المحاصصة الطبقة الوسطى وما تحويه من كفاءات علمية وقيادات ادارية وقابليات أكاديمية خارج حسابات الزمن، ودفعت بها نحو التظاهر والاعتصام طلبا للعمل، في الوقت الذي امتلأت فيه الدوائر بالموظفين غير الكفوئين او الطارئين على الوظيفة العامة وفاض العدد الحد المعقول وانتقل بالبلاد إلى البطالة المقنعة او البطالة المبرگعة بالفضائيين او ممن يحصل على اكثر من راتب حكومي، وعجز فيه القطاع الخاص عن النهوض جراء الفساد، وهروب الأموال خارج البلاد وعودتها على شكل سلع في الغالب غير اساسية بعملية غسيل للأموال، وهكذا تقدمت المشهد العام تلك الشرائح الطارئة والمتمردة (حتى على قياداتها السياسية) وعلى حساب الطبقة الوسطى، التي كانت تخرج القادة والتدريسيين وانتشرت عقود المعلمين والأطباء والمهندسين، وهم في العادة إضافة إلى الحقوقيين والمثقفين نواة الطبقة الوسطى، وأصبح تهميشها اليوم مؤشرا سلبيا يعاني منه الوطن في تراجعه والمواطن في حياته الاقتصادية .

إن الطبقة الوسطى في كل انحاء العالم وعلى مر التاريخ غالبا ما تكون قد بنت أفكارها خارج المنظومات الدينية والاجتماعية القديمة، وانها غالبا ما تكون مؤمنة بالدولة المدنية، وانها في اوربا الغربية لا زالت تشكل مادة الأحزاب السياسية وغالبا ما تكون ضد الطبقات الغنية والمحافظين وفي صراع دائم معها في جدلية جعلها ماركس ان تكون هي الأقرب للطبقة العاملة وانها تمدها دوما بأعداد اضافية جراء الافقار التلقائي او المتعمد من قبل الحكومات، وهذا ما يحدث اليوم في أغلب البلدان العربية والعراق.