اخر الاخبار

لم يكن النظام الملكي يملك في حقيقة الأمر الاستقلال التام عن سلطة حكومة صاحبة الجلالة، وكان ذاك النظام يدور في فلكها بدءا من تبعيته لمنطقة الاسترليني، وانه بأمر منها كان عضوا في حلف بغداد، وكان يتبعها في كل تحركاتها ضد الدول العربية المتحررة آنذاك، سيما مصر وسوريا، إضافة إلى تبعية اقتصاد البلاد للاقتصاد البريطاني، وأنها أي حكومة جلالة الملك كانت تحرم العراق من حقوقه النفطية، وفي سياستها الداخلية كانت حكومات النظام الملكي قد قيدت الحريات العامة وحاربت القوى الوطنية وشيدت لها مختلف انواع السجون، خاصة سجن نقرة السلمان، وسط صحراء قاحلة ينفق فيها أشد أحياء الطبيعة، إضافة إلى كون حكوماتها تابعة للإقطاع، وجزءا من رأسمالية مصدرها الانتاج الزراعي الاقطاعي الناتج عن ظلم دام عقودا طويلة للفلاحين، وقد كان الاقطاعيون وشيوخ العشائر يسيطرون على 80 في المائة تقريبا من الأراضي الزراعية لية الثورة،  وكان الفقر يلحق بأغلبية الناس من الفلاحين والعمال.

إن متوسط أجر العامل ليلة الثورة، 750 فلسا، وكان أجر خلفة البناء دينارا واحدا، وأجر عامل الطاسة 400 فلس، وكان راتب رئيس الوزراء 400 دينار آنذاك، أنظر البون الشاسع. بتعبير آخر كان العراق في ظل النظام الملكي يعاني من أشد أنواع التمييز الطبقي، لذا فإن حكوماته المتعاقبة كانت في مواجهات دائمة مع الأحزاب السياسية، وخاصة الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يقود نضال الشعب نحو التحرر من تبعية بلاده وافقار شعبها، وكان يقف في مقدمة جبهة الاتحاد الوطني التي مهدت السبيل ليقام الثورة.

الثورة من غفلة المخابرات الغربية إلى التفاف القواعد الشعبية

انها ليست كغيرها من الحركات السياسية والانقلابات العسكرية التي كانت تحدث آنذاك تحت اشراف المخابرات الغربية، او بتدليس منها، اعترفت شعبة MI6 البريطانية، وال CIA، أن كلا منهما تفاجأ بثورة 14 تموز عام 1958، وذلك للأسباب التالية.

أولا: السرية التامة لتحركات الضباط الاحرار، والهدوء والكتمان التي كان يتمتع بها مصمم الثورة ومنظم تنظيمها العسكري، وانه كان شديد الحرص والتحسس إزاء قادة النظام السابق سيما رئيس الوزراء المخضرم نوري السعيد، الذي استدعى يوما الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، وعرض عليه تقرير مدير الأمن العام الذي يشير إلى قيام الزعيم برئاسة تنظيم للضباط لغرض الانقلاب على النظام الملكي، غير ان الزعيم استطاع ان يقنع السعيد بان تلك المعلومات خاطئة، وأنه عسكري مهني مخلص في أداء الواجب الوطني، وهكذا تخلص من موقف كاد أن يودي بالحركة الفتية.

ثانيا: الظروف الموضوعية ساعدت على تنفيذ الحركة، حيث استغلت القطعات التي أمرت بالتحرك إلى الحدود الأردنية تلك الظروف، وقامت عند وصولها العاصمة بغداد بالسيطرة على الاذاعة والمرافق العامة ودار نوري السعيد، وأُعلن البيان الأول من الإذاعة الساعة السادسة من صباح ذلك اليوم .

ثالثا: كانت المخابرات الأجنبية، والحكومات العراقية، في انشغال دائم وصراع مستديم مع الجمهورية العربية المتحدة آنذاك، وزعامة عبد الناصر، وقيام السوفيت وجيكوسلوفاكيا بمد جسور التعاون بعيدا عن الغرب الرأسمالي مع زعامة العرب الجديدة بعد أن امتنع الأمريكيون من المساعدة في بناء السد العالي في مصر وقيام الاتحاد السوفيتي ببناء ذلك السد الاستراتيجي العظيم،  وقيام عبد الناصر بتأميم قناة السويس عام 1956.

صبيحة الثورة وحرارة شهر تموز

كنت شاهدا على الأحداث، حيث استقرت الدبابات في ساحة الملك فيصل الاول (ساحة جمال عبد الناصر فيما بعد). وحيث تولى الجنود حراسة الإذاعة بعد احتلالها، وقد تعرفت في حينها على المقدم مهدي على الصالحي، وهو جار لنا في منطقة الدوريين وصهر معلمنا، وكان يشرف ويوجه المراتب في محيط الاذاعة، وذهبت قوة أخرى نحو دار نوري سعيد بعد ان تم التعامل مع ابنه (صباح) الذي جاء إلى الاذاعة مستطلعا أنباء الثورة،  وهنا أود أن اثبت حقيقة للتاريخ، ألا وهي أن المواطنين بمجرد سماعهم البيان الاول، تهافتوا على الإذاعة، ولكن تم منعهم من التقرب اليها، وأخذت الجماهير تتكاثر سيما أبناء الكريمات واخذت بتهشيم تمثال الملك، وتوجه أناس آخرون نحو تمثال الجنرال مود الشاخص أمام السفارة البريطانية في الشواكة وبدأت عملية تحطيم التمثال وتم جره بواسطة بيكاب حمل نوع ماركوري.

ان الالتفاف التلقائي للمواطنين كان واحدا من أكثر عوامل نجاح الثورة، وكانت الناس وهذه شهادة اخرى للتاريخ  (لا تأمن نوري سعيد ولا تود عبد الاله)، وكانا هما أول ضحايا العهد البائد.

ان التنكر لهذه الثورة وتخطي منجزاتها، التي لا زالت ماثلة أمام مرأى الاجيال، هو واحد من أعمال طمس معالم التاريخ وإبعاد حقائقه عن الأبناء، وأن من يؤمن بالنظام الجمهوري يعلم أن من أسس الجمهورية هم ثوار تموز، ومن أعاد السيادة هم الضباط الاحرار، ومن كان رمزا للنزاهة هو عبد الكريم قاسم.

لا تبخسوا ثورة تموز منجزاتها

إني وأنا اخط هذه السطور، أدعو كل وطني شريف أن يقف اجلالا لتلك الثورة وأن يعيد إلى الذاكرة منجزاتها، وفي مقدمتها الجمهورية، وان يقف إلى جانب كل المحاولات التي تهدف إلى إعادة يومها باعتباره اليوم الوطني للعراق، بدلا من يوم معاهدة 1930، الذي ادخلت العراق عصبة الامم وهو منقوص السيادة، التي تحققت فعلا يوم 31 مايو عام 1959 حين انسحب اخر جندي بريطاني من قاعدة الحبانية، وأعلن يومها الاستقلال الناجز للعراق بفضل ثورة اهل العراق في الرابع عشر من تموز عام .1958.

إن التنكر الحالي ليوم الجمهورية يراد من ورائه إعادة كتابة التاريخ على وفق من يريد أن يبعد الأجيال عن تاريخ بلادهم الحقيقي، وأن تاريخ العراق لم يكن يوما قد كتب بدخوله عصبة الأمم، لأن ثمن ذاك الدخول معاهدة 1930، التي كانت في حقيقتها وثيقة اذعان البلاد لمطالب جلالة الملك، وان معارضة تجديد تلك المعاهدة بالتظاهر الشعبي عام 1948، نعم معارضة  تجديدها بمعاهدة بورت سموث، او معاهدة جبر - بيفن، كانت خير دليل على الرفض الشعبي للتبعية، وأن الإغفال المتعمد لتلك الاحداث الدامية ومنجزاتها، إلغاء تلك المعاهدة، لا يمكن ان يكون الا محاولة آنية يقف وراءها على ما يبدوا من لم يتعظ من التاريخ، والحق هو مع كل من يطالب بإعادة يوم جمهورية العراق الذي كان خافيا على كل المخابرات الغربية.