من يتأمل تاريخ المجتمع العراقي لا يجد إلا ثورة 14 تموز الحدث المفصلي الذي أعاد للمجتمع توصيفاته العلمية، إن عظمتها لا تكمن فقط في إسقاط نظام وإقامة آخر، بل في أنها أيقظت لدى العراقيين الإحساس بأنهم شعب قادر على صناعة تاريخه، لا مجرد حشود تدور في فلك السلطة والزعامات، ولا مجرد تغييرات دراماتيكية وقتية، بل كانت وما زالت الحدث المفصلي في تاريخ العراق. ولهذا بقيت الثورة، رغم هزيمتها السياسية، منتصرةً في الذاكرة الوطنية. لقد أسست فرقًا عميقًا بين مفهومي الحشد والشعب، الحشد يتجمع حول شخص أو شعار أو انفعال آني، ولذلك يمكن أن يتفرق سريعًا بزوال الظرف أو غياب الزعيم، أما الشعب فهو حالة تاريخية أعمق؛ إنه وعي جماعي بالمصير المشترك، وإدراك للحقوق والواجبات، وشعور بالانتماء إلى كيان وطني واحد. لقد نقلت الثورة قطاعات واسعة من العراقيين من حالة الرعية إلى حالة المواطنة، ومن حالة الحشود المتفرقة إلى الإحساس بأنهم يشكلون شعبًا يمتلك إرادة تاريخية، ولهذا لم تكن الثورة مجرد تغيير للنظام السياسي، بل كانت أيضًا لحظة تشكّل للوعي الاجتماعي والسياسي.
طرحت الثورة ولأول مرة في تاريخ العراق سؤالًا عميقًا ما يزال لم يجب عنه : كيف يتكون الشعب تاريخيًا؟ ومتى يتحول من جمهور متفرق وحشود تتشكل آنيًا إلى ذات وطنية واعية؟ من جانبنا نحن الذين ننظر إلى التاريخ بوصفه تاريخًا لتشكيل الوعي الاجتماعي، لا مجرد تعاقب للأنظمة السياسية، تبدو ثورة 14 تموز إحدى اللحظات النادرة التي شعر فيها العراقيون بانهم دخلوا التاريخ بوصفهم شعبًا، وهذه اللحظة لا يمكن اختزالها أو تهميشها من قبل أي نظام لاحق، لقد بقيت هذه الثورة العظيمة مشعة ومتجددة بالرغم من كل ما تعرضت له من نقد وحملات مضادة وقمع واعدامات لقادة الشعب. إن نتيجة رسوخ الثورة في الوجدان العراقي يعود لأسباب عديدة منها:
1. أنها مثلت لحظة أمل جماعي نادرة شعر فيها ملايين العراقيين بأنهم شركاء في صنع التاريخ، هذه نقلة في الوعي لم ندرك أبعادها إلا في تعاقب الحكومات التي مرت على العراق حيث خلت مشاريعها من مفهوم الشعب واعتمدت على مفهوم الحشود .
2. كما أحدثت ثورة تموز تغيرات ملموسة في حياة الناس اليومية، وليست مجرد شعارات سياسية تعلن ثم تطفأ؛ حين جرى تعيين الآلاف من العراقيين في وظائف تعليمية وصحية وخدمية، واسست مئات المدارس والمستشفيات، وأخرجت العراق من حلف بغداد، وحررت النقد من الإسترليني، واممت النفط. هذه ليست مشاريع للدعاية، بل هي أعمدة لتأسيس عليها معنى الشعب.
3. ونتيجة للفوضى التي كانت سائدة خاصة في ميادين الحقوق والعدالة، جاء ارتباطها بفكرة العدالة الاجتماعية التي ما زالت مطلبًا عراقيًا متجددًا ، حين ساوت في الحقوق بين الرجل والمرأة، وبين القوميات بغض النظر عن لغاتها ومناطقها، وارومتها.
4. أما المشروع الذي بشرت به ثورة تموز لبناء عراق جديد متحرر، لم يكتمل تاريخيًا؛ فقد أُجهضت الثورة بعد اربع سنوات ونصف، فالمشاريع غير المكتملة تظل قادرة على استدعاء الذاكرة وإلهام الأجيال اللاحقة، ومع ذلك بقيت الحكومات اللاحقة تقتص من إنجازات ثورة تموز، كتبديل العيد الوطني وشعار الجمهورية وتلك النزعة العالمية التي ارتبطت بها بحضارة وادي الرافدين، وكان ما أسسته ثورة تموز ليس ضد الرجعية والاستعمار فقط، بل ضد الفئات التي كانت راعية لإرهاب العراقيين خاصة الفلاحين والعمال.
5. كما أسهم خصوم الثورة أنفسهم في تخليدها؛ فكل محاولة لإقصائها أو تشويهها أعادت فتح السؤال حول ما الذي مثلته للعراقيين.
لقد كشفت ثورة تمود عن حاجة الشعب العراقي إلى مركز اشعاع فكري يبتدئ من تغيير النظام إلى بناء مجتمع جديد، وتكون الثقافة والبنى الاقتصادية في اساسيات عملها، يقرأ تشكيل اول وزارة عراقية يقرأ أنها مجموعة من الكفاءات الوطنية التي امتلك مشاريع انماء وحداثة. من هنا تحولت ثورة 14 تموز إلى ما يشبه "المركز التكويني" في الذاكرة السياسية العراقية؛ مركز تتكاثف فيه قيم التحرر والعدالة والوحدة الوطنية، ولهذا فإنها لا تستعاد ذكراها بوصفها حدثًا من الماضي فحسب بل بوصفها إمكانًا تاريخيًا لم يكتمل بعد. لقد أسست الثورة لتجربة إنسانية وتاريخية مركبة؛ لها إنجازاتها الكبيرة، ولها فضاءاتها المتعددة، بحيث شملت كل العراق ولم تختصر على مدن دون أخرى، ولها أيضا تناقضاتها وصراعاتها الداخلية التي أسهمت لاحقًا في إضعافها، فمثل هذه النظرة المركبة للثورة لا تقلل من عظمتها، بل تمنحها عمقًا تاريخيًا أكبر، وهو ما نشهد حضورها الدائم في الوعي الجمعي للتاريخ.
بعد ثمانية وستين عامًا تقريبًا يبدو أن سّر بقاء 14 تموز في الوجدان العراقي ليس فقط أنها غيّرت نظام الحكم المرتبط بالعجلة الاستعمارية، بل فتحت أفقًا تخيّل فيه العراقيون إمكانية بناء دولة عادلة وموحدة، ومادام هذا الأفق لم يفقد جاذبيته إلى الآن، فإن ذكرى الثورة ستظل تشع وتتجدد في الذاكرة الوطنية، من أجل تجذير هذا الوعي، وأن الاحتفاء بها لا يعني اعادتها، بل تجديد مشروعاتها.
في عموم الوعي الجمعي للشعب العراقي نجد الاحتفاء بثورة تموز يزداد حضورا في كل عام ، ليس مجرد حنين إلى منجزات الماضي، بل استعادة للمبادئ المؤسسة التي طرحتها الثورة: العدالة الاجتماعية، المواطنة، السيادة الوطنية، وإمكانية بناء مجتمع عراقي موحد يتجاوز الانقسامات الفرعية. هذه المبادئ هي التي تمنح الثورة قدرة دائمة على التجدد في الذاكرة. ومن جاء حاكما بعدها تنصل عن أبسط قواعد المواطنة، مما يشعرنا أن الاحتفاء بها هو واجب وطني وليس استعادة ذكرى.
أما فيما يتعلق بدور الجماهير المنظمة التي ساندت الثورة وعمقت وجودها في المجتمع، فالكثير من الدراسات التاريخية تشير إلى أن قدرة الثورة على المضي في إصلاحاتها لم تكن نتاج إرادة السلطة وحدها، بل نتيجة وجود قاعدة شعبية واسعة دعمتها ودافعت عنها. وكان للحزب الشيوعي العراقي، بوصفه إحدى أكبر القوى السياسية والتنظيمية آنذاك، دور بارز في تعبئة العمال والطلبة والمثقفين والفلاحين، وفي ترسيخ الوعي الطبقي والوطني لدى قطاعات واسعة من المجتمع العراقي. ومن هنا تكالبت الأنظمة اللاحقة ليس على الغاء إنجازات ثورة تموز فقط، بل على ملاحقة الحزب الشيوعي العراقي.
لذا يصعب من الناحية التاريخية، إنكار أن ثورة 14 تموز كانت حدثًا مفصليًا في تاريخ العراق الحديث. فقد أنهت النظام الملكي، وأعلنت الجمهورية، وأطلقت سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية المهمة، مثل قانون الإصلاح الزراعي، وقانون الأحوال الشخصية، والتوسع في التعليم، والاهتمام بالفئات الشعبية، وتعزيز فكرة السيادة الوطنية. وبناء مدن عديدة للفقراء والمهمشين، كما أنها سمحت لأول مرة بصعود قوى اجتماعية جديدة إلى المجال العام، من العمال والفلاحين والطبقات الوسطى، وأعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. واسست مفهومًا للشعب بعد أن كان بمسميات عديدة: مناطقية وقومية ودينية، وعشائرية. أن رؤيتنا لهذه الثورة، تجمع بين زاويتين متداخلتين: زاوية تاريخية وزاوية رمزية، وكلتاهما تساعدان على فهم سبب بقاء الثورة حاضرة في الذاكرة العراقية حتى اليوم.
لو جرى الوعي بما أنجزته ثورة تموز لما أصبح العراقي ما هو عليه اليوم، ضعيفًا تابعًا معتمدًا على فئات ناقصة التعليم والخبرة مسندة من جهات ما كانت يوما صديقة للعراق.