أكد مصدر في هيئة النزاهة العراقية توسع التحقيق بشبهات فساد داخل وزارة الدفاع، مشيرا إلى أن "التحقيقات في هذا الملف تحظى باهتمام كبير؛ لأنها تمس سمعة المؤسسة العسكرية.
وقال المصدر لـ"إرم نيوز" إن التحقيقات توسعت خلال الساعات الماضية بشأن عقد تأهيل وتطوير وتأثيث مستشفى القوة الجوية في الرستمية، لتشمل مراجعة محاضر لجان الإحالة والمخاطبات الرسمية الخاصة بالعقد، فضلاً عن استدعاء مسؤولين سابقين أشرفوا على مراحل إعداد المشروع أو المصادقة عليه، فيما يوجد عدد منهم خارج العراق حالياً".
وأعلنت هيئة النزاهة الاتحادية، الثلاثاء، الإطاحة بمدير الأشغال العسكرية في وزارة الدفاع برتبة لواء، وضابطين برتبتي عميد وعقيد، إلى جانب خمسة مهندسين، على خلفية شبهات فساد مالي وإداري رافقت عقد التأهيل، الذي بلغت قيمته أكثر من 92 مليار دينار (نحو 80 مليون دولار)، مؤكدة أن "العقد أُحيل إلى إحدى الشركات الأجنبية بطريقة التعاقد المباشر من دون منافسة سعرية، مع وجود مغالاة كبيرة في الأسعار وتعديلات متكررة رفعت كلفته بصورة ملحوظة".
وأضاف المصدر أن "العقد لا ينظر إليه كحالة منفردة، بل يعد جزءاً من سلسلة عقود أُحيلت إلى شركات أجنبية بطريقة التعاقد المباشر من دون منافسة سعرية، وهو ما دفع الجهات التحقيقية إلى مراجعة ملفات أخرى مشابهة داخل وزارة الدفاع للتأكد من سلامة إجراءات الإحالة والتسعير، وتحديد الجهات التي منحت الموافقات النهائية على تلك العقود".
وكشف المصدر أن "فرق التحقيق تتابع أيضاً طبيعة العلاقة بين الشركة الأجنبية والجهات التي تولت إجراءات الإحالة، وتراجع جميع المخاطبات الرسمية الخاصة بالعقد، فضلاً عن دراسة أي توصيات أو كتب استثناء رافقت عملية التعاقد، لمعرفة مدى مطابقتها للقانون والتعليمات النافذة".
وتحظى وزارة الدفاع العراقية بإحدى أكبر المخصصات المالية في الموازنة الاتحادية سنوياً (6 – 9 مليارات دولار) نظراً لما تتحمله من نفقات تتعلق بتسليح القوات المسلحة، ورواتب مئات الآلاف من العسكريين والمنتسبين، إلى جانب تنفيذ مشاريع البنى التحتية العسكرية، وإنشاء المعسكرات والمستشفيات والمنشآت اللوجستية، فضلاً عن عقود الصيانة والتجهيز والتدريب.
ويرى مختصون أن ضخامة حجم الإنفاق وتعدد العقود الاستثمارية والتشغيلية يجعل الوزارة من أكثر المؤسسات التي تتطلب أنظمة رقابية وتدقيقية صارمة لضمان سلامة إجراءات التعاقد وحماية المال العام، لا سيما في المشاريع التي تُحال بأسلوب التعاقد المباشر أو تتضمن تعديلات مالية لاحقة ترفع كلفتها الإجمالية
من جهته، قال الباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي إن "هذه الاعتقالات جاءت نتيجة عمل اللجان التي شكلتها هيئة النزاهة لمراجعة العقود الحكومية في الوزارات والمؤسسات العراقية، والتي بدأت برفع تقاريرها إلى القضاء بعد الانتهاء من عمليات التدقيق".
وأضاف الدعمي لـ"إرم نيوز" أن "ما جرى يمثل بداية فقط، إذ إن اللجان ما زالت تراجع عشرات العقود الأخرى، وهناك ملفات قد تكشف عن مبالغات كبيرة في قيم مشاريع أبرمت مع شركات محلية وأجنبية، وهو ما قد يشكل صدمة للرأي العام إذا أُعلنت نتائجها تباعاً".
ويشير انتقال التحقيقات إلى وزارة الدفاع إلى أن حملة "الأيادي البيضاء" لم تعد تقتصر على الوزارات المدنية والهيئات الخدمية، بل دخلت للمرة الأولى بهذا الزخم إلى واحدة من أكثر المؤسسات حساسية، وهو ما يفتح الباب أمام مراجعة ملفات إنفاق عسكرية ظلت لسنوات بعيدة عن التدقيق الإعلامي والرقابي، ولا سيما العقود التي أبرمت عن طريق الاستثناء أو التعاقد المباشر.
ويرى مراقبون أن نتائج التحقيق في هذا العقد ستكون مؤشراً على طبيعة المرحلة المقبلة من حملة "الأيادي البيضاء"، إذ إن نجاحها في الوصول إلى الجهات التي اتخذت القرار النهائي بإحالة العقد، وليس الاكتفاء بالموظفين المنفذين، سيعزز الانطباع بأن الحملة تتجه نحو تفكيك شبكات اتخاذ القرار في ملفات الفساد، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة حلقاتها التنفيذية فقط، خصوصاً مع استمرار الحديث عن مراجعة عقود حكومية أخرى قد تشمل مؤسسات أمنية وعسكرية إضافية.