معروف للجميع كيف قامت ثورة 14 تموز عام 1958، ودور الحزب الشيوعي العراقي في جبهة الاتحاد الوطني التي هيأت للثورة وساندتها ووقفت إلى جانبها، ومعروف أيضاً الثقل الذي شكله الحزب في الشارع العراقي، بإعتباره أكبر الأحزاب العراقية جماهيرية، وأوسعها قاعدة وتنظيماً، وكان من المتوقع أن تكون جريدته هي الأولى التي تصدر وتوزع على الجماهير ! ولكن ما حدث كان على العكس من ذلك تماماً، إذ أن أول صحيفة صدرت يوم 18 تموز كانت صحيفة (الجمهورية) التي أصدرها الرجل الثاني في الدولة وهو (عبد السلام عارف)! ووضع اسمه عليها رسمياً باعتباره صاحبها ورئيس تحريرها! ثم إستدعى عارف، القيادي البعثي المعروف (سعدون حمادي)، والذي كان أستاذاً في كلية الزراعة، ليكون رئيساً لتحريرها، كما عين (معاذ عبد الرحيم) مديراً لتحريرها! اما العاملون الآخرون فيها فجميعهم من البعثيين! ومن بينهم (علي صالح السعدي وعبد الوهاب الغريري)، وحين شعر عارف بالإحراج من بقاء اسمه على صدر الصحيفة، أعطاها لضابط متقاعد لا علاقة له بالصحافة يدعى (رشيد فليح !)، وظلت (الجمهورية) جريدة للبعثيين.
كما كانت تصدر قبل تموز جريدة (الحرية) لصاحبها المحامي والبعثي المعروف (قاسم حمودي)، وعاودت الصدور بعد الثورة بثلاثة ايام فقط، وقد إستُخدمت للبعثيين والقوميين عموماً، وكانت صوتهم المدوي ضد الحزب الشيوعي وصحافته ! كما عادت للصدور أيضا جريدتا (البلاد) و (الاخبار)، وبعد شهر ونصف من عمر الثورة، أي في الثلاثين من آب 1958 تم تعطيل جريدة (البلاد)، من قبل مجلس الوزراء استنادا إلى قانون المطبوعات الملكي سيء الصيت ! وكانت هذه هي البداية، لما سيكون عليه وضع الصحافة، في ظل سلطة قاسم !
وفي 18 تشرين الاول عام 1958، أي بعد ثلاثة أشهر من إنتصار الثورة، سمحت السلطة لثمانية صحف وطنية بالصدور، ولم يكن بينها صحيفة (إتحاد الشعب) أذ حصلت أحزاب الوطني الديمقراطي والاستقلال والأحرار، على صحف خاصة بأحزابها، في حين حُرم الحزب الشيوعي من إصدار صحيفته العلنية ! وقد دعت هذه الصحف، أو معظمها على الأقل، لإجراء إنتخابات نيابية حرة، وإنهاء فترة ألإنتقال، وعودة الجيش لثكناته، وتوثيق عرى التضامن بين البلدان العربية، ولم تعجب هذه اللهجة السلطة الحاكمة، رغم كل وعودها بإنهاء فترة الإنتقال وإجازة الأحزاب وإجراء الإنتخابات!
السلطة وأجهزتها
بعيداً عن الحماس العاطفي ومشاعرنا تجاه الشهيد عبد الكريم قاسم، فأن دراسة متأنية لتلك الفترة، ولما قام به هذا الرجل، تجاه أخلص حلفائه وأوفى مسانديه، متمثلين في الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين، لشيء يدعو للإستغراب، بل هو السبب الرئيسي لإنتصار إنقلابيي شباط، ولخسارة قاسم نفسه لحياته ! لقد كانت البداية في تحجيم الحزب، عندما لم يشركه في الوزارة الأولى التي شكلها، ولم يسمح له بإصدار صحيفته المركزية لآكثر من ستة أشهر، بعد قيام الثورة !
منعت الجريدة في الديوانية ثم في السماوة، ثم قام قائد الفرقة الأولى العميد (حميد السيد حسين الحصونة)، بمنع تداول إتحاد الشعب في سبعة ألوية (محافظات) تقع تحت سلطته العسكرية، وهي البصرة والعمارة والناصرية والديوانية والحلة وكربلاء والكوت ! أي نصف الوية العراق حينذاك، فهل كان الحصونة يجرؤ أن يفعل ذلك، لولا علم وموافقة قاسم !؟ والطريف أن الحصونة نفسه خطب قبل عام من منعه للصحيفة، وأثناء فشل محاولة الشواف، قائلاً أنه يتشرف أنه كان رفيقاً لفهد وإنه يستهدي بمبادئه وأفكاره !!
ويذكر أنه في 23 تشرين الأول 1961، وفي المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، أعلن الشهيد سلام عادل، ان 286 شيوعياً إستشهدوا حتى ذلك التاريخ، وعدد الجرحى الشيوعيين هو 1572، وذكر مصدر شيوعي أن 7510 حالات مسجلة، من غارات الشرطة وقطاع الطرق، على ممتلكات ومقرات المنظمات التي كان يقودها الشيوعيون، وأكد أن 3424 عائلة محسوبة على الحزب دعيت لمغادرة بيوتها!!
وفي آب 1961 أوقفت جريدة اتحاد الشعب، استناداً لقانون صادر في العهد الملكي، هو (قانون المطبوعات) رقم 24 لسنة 1954، وفي 22 حزيران أغلقت صحيفة (صوت الطليعة)، وهي صحيفة الحزب في البصرة، كما أغلقت (صوت الفرات)، لسان الحزب في الفرات الاوسط، وفي 27 أب61 أغلقت (صوت الشعب) التي أصدرها الرفيق الشهيد (محمد حسين ابو العيس)، بعد توقف إتحاد الشعب، أغلقت (إتحاد العمال) صحيفة الإتحاد العام لنقابات العمال، ثم أغلقت صحف (الحضارة والثبات) الإسبوعيتين الشيوعيتين.
ويمكن الإشارة بوضوح اكبر، إلى موقف قاسم، من إجازة الحزب الشيوعي العراقي، فعندما أصدر قانون الجمعيات رقم 1 لسنة 60، قدمت أربعة أحزاب طلبا للإجازة، وهي الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الشيوعي العراقي، والحزب الديمقراطي الكردي الموحد، والحزب الجمهوري، وكان الرد إجازة الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردي، وجمعت السلطة فئة من الشيوعيين القدماء بقيادة (داود الصايغ)، ودفعتهم لتقديم طلب باسم الحزب الشيوعي العراقي، وقد حصلوا على إجازة للحزب، وأصدروا جريدة (المبدأ) لتكون لسان حالهم ! وعندما قدم الحزب طلباً لحزب آخر باسم (إتحاد الشعب) جاء الرفض كما رفض قاسم إجازة (الحزب الجمهوري)، الذي تقدم بطلبه الرفيق عبد الفتاح ابراهيم والجواهري وطه باقر وعبود زلزلة وصديق الاتروشي وغيرهم!