اخر الاخبار

استيقظ صباحاً على أصواتٍ تتعالى عبر نافذة غرفته في ذلك الحي الشعبي الباريسي. كانت الليلة حارةً على غير المعتاد، لذا ترك النافذة مفتوحةً لعل نسمات الهواء العليل تخفف من قيظ الغرفة الذي لا يُطاق. حرّك وسادته، وبحذرٍ شديد أنزل ساقه اليسرى إلى حافة السرير، متجنباً تحريك اليمنى بعنف؛ فجرح الرصاصة الغائر في لحمها ما زال ينبض بالألم. قبل سبعة أشهر، وصل إلى باريس طالباً هارباً من مطاردات الشرطة الملكية في بغداد، حاملاً في جسده تلك الرصاصة اللعينة التي أطلقها شرطي على الجسر حين حاول العبور واللجوء إلى جانب الكرخ. كانت أصوات هتافات المتظاهرين خلفه تمتزج بوابل الرصاص من بنادق الشرطة، بينما كان صوته يتردد في أذنيه مجلجلاً: يحيا الوطن، يسقط الطغيان ... الحرية والخبز للجياع.

ارتفعت جلبة الشارع كأمواج متلاطمة، وتحول الضجيج الصاخب تدريجيا إلى هتافات فرنسية واضحة ومفهومة:

A bas le tyran!

Du pain et de la liberte!

يسقط الطغيان!

الخبز والحرية!

تلاها دوي انفجارات غامضة، لا تشبه اطلاق الرصاص، بل بدت كأنها نذير أمر آخر أشد فتكا. قاده الفضول والوجل نحو النافذة بخطى وئيدة، غير أن ثقله على قدمه اليمنى فجر كامن آلامه. امتدت يده المرتجفة نحو الكرسي المستند بين فراشه والنافذة التماسا للثبات، لكن جسده المنهك ترنح، ليسقط الكرسي ويسقط معه في عجز تام. سكنت الحركة بفعل الألم المبرح، وفي تلك اللحظة بالذات، تلاشت أصوات باريس الغريبة من وعيه، ليحل محلها صدى مألوف يسكن أعماقه.. صدى حشود المدينة العريقة الحاضنة لنهر دجلة، وهي تهتف بذات الجرح:

يسقط الطغيان.. الحرية والخبز للجياع.

في الزاوية، فوق المنضدة البعيدة، كان جهاز التلفزيون يرسل ضوءه منذ الأمس بعد أن نسى إطفاءه. بدت على الشاشة واجهة قصر من ثلاثة طوابق يواجه المدينة، بتناظر دقيق وعمارة كلاسيكية مهيبة، تزينها نوافذ مقوسة وأسقف شاهقة. خارج القصر كانت هراوات الشرطة تطحن الأجساد، وقطرات الدم القاني تتطاير لترسم الموت على الارصفة. وفي الداخل، انشق الستار المخملي عن ماري انطوانيت، خرجت تتهادى بثوبها الحريري المرصع بالترف، يكسو وجهها العاجي مكياج باريسي ثقيل. القت نظرة كاسفة، ثم همست بصوت غنج مخمور بالدلال:

ما بال هذا الضجيج؟ ماذا يريد الرعاع؟

 أحنت الخادمة رأسها برعب وقالت:

مولاتي.. إنهم جياع، يريدون خبزا.

تمطت الملكة بنعاس، والتفتت عائدة إلى سريرها الوثير وهي تقول ببرود متهكم:

خبز؟ إذا لم يجدوا الخبز، فليأكلوا الكعك.. أعطوهم بقايا مائدة الأمس.

استلقى على ظهره فوق الأرض الخشبية، شاخصا ببصره نحو المصباح المعلق في السقف. بدأ ضوؤه الاصطناعي، الذي قاوم عتمة الليل، يخفت تدريجيا مع تسلل أولى أشعة الشمس عبر النافذة. في الخارج، كانت الهتافات تتعالى ممتزجة بدوي القذائف، بينما انسكب نور الفجر ليرسم لوحة ساطعة على الجدار، مسلطا ضوءه على ورقة الرزنامة المعلقة ليتوهج تاريخ اليوم:

14 تموز.

استجمع بقايا قوته، واتكأ على الكرسي المقلوب ليتحامل على جسده وينهض. تقدم بخطوات متعثرة نحو النافذة المفتوحة، الشوارع تغص بالبشر والكل يهتف:

يسقط الطغيان! الخبز والحرية!

كانت الشرطة تطلق قنابل الغاز، والدخان يتصاعد في الأفق خانقا، محملا برائحة لاذعة تشبه الثوم والبصل الممزوج بالفلفل الحار. ورغم العيون التي تذرف الدموع، والرؤوس التي تنزف دما، واصلت الحشود زحفها نحو الامام.. دون تراجع.

بغتة، انفرجت الممرات وعبر الجنود ليتصدروا المشهد، جابهوا الهراوات بصدورهم، مشكلين حائطا بشريا حيا يحمي المتظاهرين العزل. أمام هذه الصدمة غير المتوقعة، تخلخلت صفوف الشرطة واضطرت للفرار، واندفعت ورائهم الحشود كالسيل الجارف يسترد كل شبر من الشارع. وسط الساحة المركزية، ارتقى شاب قمة النصب التذكاري بثبات، وانتزع سارية العلم ليدع الراية تعانق الريح، ليشتعل الميدان بصرخة واحدة هزت الأرض:

تحيا الجمهورية!

كان الصحفي الفرنسي يجوب شوارع بغداد بسيارته. عند مفترق الطرق، اجبرته الإشارة الحمراء على التوقف. قيظ تموز لا يطاق، لدرجة أن الاسفلت يكاد يذوب تحت الإطارات مصدرا أزيزا واهنا. فجأة، وثبت طفلة بركض يشبه قفزات القطط المشردة، ثوبها باهت ممزق، وقدميها الحافيتان تتحديان لهيب الطريق. باغتته بسؤالها:

تشتري ماي؟

تناول منها القنينة، ومد لها بضع عملات وهو يسألها مستغربا:

ألم تسمعي بعد؟ انهار الطغاة.. إنها الثورة!

قفزت الطفلة بابتهاج، وعادت ترقص نحو الرصيف. مرت الحشود الصاخبة من حولها، تبدلت الوجوه والشعارات، لكنها بقيت هناك.. حافية القدمين، تبحث عمن يشتري الماء.