"كل من يدافع بصدق عن دولة الرفاه والسلام عبر الحوار، عليه أن يدعم بقوة انسحاب ألمانيا من حلف الناتو، والحفاظ على حياد سويسرا دون قيد أو شرط". هذا هو الاستنتاج الجوهري الذي توصلت إليه سيفيم داغديلين في محاضرة، بعنوان "الحياد في مواجهة الناتو: مسار أوروبا بين الحرب والسلام" حضرها حشد من المهتمين في بازل، في 6 حزيران، وقد نظم هذا الفعالية حزب العمل في بازل ومجاميع يسارية أخرى.
بسيفيم داغديلين، سياسية المانية مختصة بملف الحرب والسلام، كانت نائبة، لمدة 20 عاما عن حزب اليسار الألماني، لكنها انتفلت إلى التيار الذي انشق من الحزب واسس "تحالف سارا فاكنكنشت"، والذي لم ينجح في دخول البرلمان بعد الانتخابات العامة المبكرة في ألمانيا.
مثًل اضطرار ألمانيا، العضو في حلف الناتو، للتنازل عن مقعدها في مجلس الأمن لصالح النمسا المحايدة، مثالاً نموذجياً للمتحدثة. لقد عوقبت ألمانيا، بالدرجة الأولى من دول الجنوب العالمي، بسبب تبني الحكومة الألمانية سياسات الحرب وعسكرة الحياة، وازدواجية معاييرها فيما يتعلق بالقانون الدولي، وخضوعها الأعمى للإدارة الأمريكية. ومن الواضح أن ألمانيا دفعت ثمن عضويتها في الناتو. إن الناتو لا يتوافق مع السلام. وقد استشهدت داغديلين بالسكرتير العام لحلف الناتو، مارك روته، الذي قال بوضوح أن هذا الحلف العسكري "موجود فقط لتعزيز النفوذ الأمريكي عالمياً". إلا أن مثل هذه الصراحة نادرة عند قيادات الناتو.
خرافات الناتو الثلاث
يكمن خطر الناتو في تغطية طبيعته وأهدافه الحقيقية بحزمة من التبريرات الدعائية حولها الحلف إلى معاهدات، وتم نقلها عبر عقود إلى مناهج التعليم، وإلى قاعات المحاضرات الأكاديمية. إنها "شبكة من الروايات الخيالية" تُخفي سبب وجود الحلف الجوهري: بسط هيمنة عالميو. تُحدد سيفيم داغديلين ثلاث خرفات أساسية تخفي وجه الحلف البشع.
الخرافة الأولى هي الادعاء المتكرر بأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) هو تحالف قيم، وجماعة قيم، وأن جميع أعضائه يشتركون في القيم نفسها. ويحددون سقفا عاليا، عندما تشير ديباجة معاهدة الناتو إلى ميثاق الأمم المتحدة، الذي يثبت الديمقراطية وسيادة القانون كمبادئ. هنا تحاجج داغديلين بأن تاريخ الناتو نفسه يدحض هذه الخرافة بشكل قاطع، منذ البداية: لقد كانت الديكتاتورية الفاشية في البرتغال بقيادة سالازار من بين الأعضاء المؤسسين للحلف. كما تورط العديد من أعضائه في حروب استعمارية دموية منذ سنواته الأولى، ناهيك ع دعم الانقلابات العديدة ضد الحكومات المنتخبة ديمقراطيًا، والتي دعمتها أو دبرتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وهي الوكالة التابعة للدولة المهيمنة في الناتو. لا يُزعج المتحدثة، من يدعي ان هذه تجاوزاتٍ تنتمي للماضي، لأن الحاضر أشد خطورة: "ما هي القيم التي نتحدث عنها، يا ترى، عندما ننظر إلى..." أن الدولتين الرائدتين في حلف الناتو، الولايات المتحدة وألمانيا، تدعمان دولةً ثالثة، وهي إسرائيل، بإمدادات الأسلحة، على الرغم من أنها، وفقًا لمنظمة العفو الدولية ومنظمة أطباء بلا حدود ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ترتكب إبادة جماعية في غزة؟ باختصار، إن الادعاء بأن حلف الناتو جماعة قائمة على القيم هو كذبةٌ صريحة، في الماضي والحاضر على حد سواء.
الخرافة الثانية تقول أن حلف الناتو تحالف دفاعي، تشير داغديلين إلى أنه بات من المسلّم به جزئيًا، في ضوء الحقائق الواضحة، أن هذا لم يعد صحيحًا، قبل أن تؤكد على الفور: و " لم يكن كذلك في الماضي أيضًا!". ففي عام 1999، قصفت قوات الناتو جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية دون قرار من مجلس الأمن الدولي. وفعلت الشيء نفسه، في أفغانستان. لقد استُخدم الادعاء بالدفاع عن أراضي الناتو في افغانستان لشن حرب استمرت 20 عامًا، مما أسفر عن مقتل مئات الآلاف من المدنيين وارتكاب العديد من جرائم الحرب التي ما تزال دون حل أو عقاب حتى يومنا هذا. وتؤكد سيفيم داغديلين أن ادعاء "الحلف الدفاعي" لا يصمد أمام التدقيق، ليس فقط فيما يتعلق بالتحالف نفسه، بل أيضًا فيما يتعلق بأعضائه. ما الذي تدافع عنه الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب بهجماتها على إيران؟ وما علاقة التهديدات بغزو كوبا عسكريًا بمبدأ الدفاع؟
تسعى المحاضرة إلى إثبات أن حلف الناتو ليس بأي حال من الأحوال تحالفًا دفاعيًا، بل هو "حلف عسكري عدواني توسعي". وتستند إلى توسع الناتو شرقًا بعد نهاية الحرب الباردة. فبينما انحل حلف وارسو، ازداد عدد أعضاء الناتو من 16 إلى 32 عضوًا بعد عام 1990. وتعتبر هذا التوسع دليلًا إضافيًا على عدم مصداقية ادعاء الناتو بكونه حلفا دفاعيا. ومع ذلك، لقد أعلنت أصوات بارزة، بما في ذلك أصوات من الغرب، تحذيرات عاجلة ضد هذا التوسع. وهكذا، تجاوزت الإمبراطورية حدودها - وهي ظاهرة خطيرة معروفة منذ القدم، حيث تقوم مراكز القوى، سعيًا منها لمنع تراجعها، بإشعال حربا تلو الأخرى.
الخرافة الثالثة تقول، أن حلف الناتو مُتلزم بميثاق الأمم المتحدة، وهي خرافة تأسيسية. ولتفنيد هذه الخرافة، لا داعي حتى للخوض في الانتهاكات العديدة للقانون الدولي في الماضي، بل يكفي النظر إلى أحداث العام الفائت: دعم الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والحرب العدوانية غير المبررة وغير القانونية ضد إيران، واختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، والتهديدات بضم جزء من أراضي دولة عضو أخرى في الناتو، وهي غرينلاند الدنماركية. والقائمة تطول. ان هذا يبين أن الناتو لا علاقة له بالقانون الدولي. حتى وإن كانت هذه الانتهاكات تُعزى إلى حد كبير إلى زعيمة الناتو، فإن المحاضرة لا تُريد إعفاء أي من الدول الأعضاء في الناتو من المسؤولية: "التواطؤ يعني التواطؤ". طالما لم تُعالج انتهاكات القانون الدولي في مجلس الناتو، فإن كل عضو في الناتو مسؤول بالتضامن وفقاً لشعار "الفرد للجميع، والجميع لفرد".
خطورة عضوية الناتو
إن حلف الناتو ليس تحالفًا قائمًا على القيم ولا حلفا دفاعيا، ولا يلتزم بالقانون الدولي، لهذا ترى المحاضرة ضرورة استخلاص النتائج الصحيحة وإدراك الخطر الذي يمثله الناتو على السلام العالمي. وتشير هنا إلى خمسة أسباب رئيسية:
1 - إن إلزام الناتو دوله الأعضاء، بتخصيص 5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للتسلح والعسكرة، يكلف هذه الدول مبالغ مالية هائلة، مما يستلزم إعادة تخصيص في الموازنة العامة . تدمر إعادة تسليح الناتو دولة الرفاه، فضلاً عن التضامن الدولي والاستثمارات الضرورية في البنية التحتية والتعليم وحماية البيئة. وأكدت المحاضرة على: "إن إنجازات 150 عامًا من الحركة العمالية باتت الآن في خطر جسيم". وقد بدأ هذا التطور بالفعل، وسيتفاقم إذا لم يوقف الشعب النخب المتعطشة للحروب.
2 – أصبح الناتو يشكل خطراً أمنياً متزايداً على السكان المدنيين في الدول الأعضاء، يتمثل في إمكانية جرّ البلد المعين إلى حرب تنفيذا لالتزامه بلوائح الحلف. بالإضافة إلى المشاركة غير المباشرة في حروب بالوكالة، كتمكين الجيش الأوكراني من قصف أهداف بعيدة في روسيا، وهو أمر لا يستطيع الوكيل القيام به بنفسه، ان ذلك ينطوي على خطر نشوب حرب مفتوحة مع روسيا.
3 - في ضوء تزايد انتهاكات القانون الدولي من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية، القوة المهيمنة في الحلف، أصبح الحلف يُشكّل خطراً أخلاقياً. فهو مُعرّض لخطر التحوّل إلى جماعة إجرامية متكاملة. ويُلاحظ هذا الأمر بشكل خاص من قِبَل بلدان الجنوب العالمي، التي يتعزز دورها في سياق تبلور التعددية القطبية. وقد اختبرت ألمانيا أخيرا بشكل مباشر بسبب ولائها الأعمى، عندما رفضت أغلبية أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة منحها مقعداً في مجلس الأمن.
4 - يشكل حلف الناتو خطراً أمنياً أيضاً لمروره بمرحلة توسع إمبريالي مفرط. فالحلف يتجه نحو العولمة، ويضطلع بمهام متزايدة، ويتوسع فعلياً في آسيا من خلال اتفاقيات ثنائية. ولذلك، لم يعد يُنظر إليه كتهديد هناك من قِبل الصين فقط.
5 - يُعرّض الناتو سكان البلدان الأعضاء للخطر لأنه يُنهي الدبلوماسية. وإذا ما انخرط في مفاوضات في أي مكان، فليس ذلك إلا استعراضًا، لخداع شركائه أو التلاعب بهم، لا لأنهاء الصراع. ومن الأمثلة على ذلك اتفاقيات مينسك والمفاوضات النووية مع إيران. وتُشير المحاضرة إلى تشابه مصيره مع مصير الإمبراطورية الرومانية، التي انهارت هي الأخرى بسبب تهميش حل النزاعات دبلوماسيا لصالح الاستثمارات العسكرية. والفرق الوحيد هو أن إشعال حرب كبرى ضد قوة نووية سيؤدي على الأرجح إلى فناء متبادل. وبالنسبة لأوروبا تحديدًا، ستكون هذه سياسة انتحارية.
دعوات للحياد
تدعو المحاضرة الشعب السويسري إلى تصويت لصالح مبادرة الحياد في استفتاء أيلول المقبل وإيقاف الجهود الساعية للتقارب مع حلف الناتو فقط، بل تدعو إلى سياسية ألمانية غير منحازة، لان ذلك يعني هذا ألمانيا أفضل، قادرة أخيراً على انتهاج سياسة خارجية وأمنية مستقلة بدلاً من أن تكون ذراعاً ممتدة للولايات المتحدة لفرض مصالح الأخيرة في أوروبا. ولن تُجبر القاعدة الصناعية الألمانية بعد الآن بضرورة استيراد الطاقة باهظة الثمن من الولايات المتحدة. ولن تكون ألمانيا المحايدة مُلزمة بمواصلة الحروب بالوكالة والحروب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة. وبإمكانها الانفتاح على دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا)، وتعزيز التجارة، لا سيما مع القوى الصاعدة. وأكدت المحاضرة، أن ذلك سيمثل زيادة هائلة في استعادة القدرة على التحرك. وسيؤدي هذا التغيير في السياسة إلى توفير مبالغ طائلة يمكن استخدامها لتجديد البنية التحتية التي أُهملت لعقود. وبالنسبة لألمانيا، سيقلل خطر الحرب بشكل ملحوظ، إذ أن الانضمام إلى تحالفات عسكرية عدوانية مثل حلف الناتو يجعل الدولة تلقائيًا هدفًا محتملاً في أي صراع. وأخيرًا، تناولت المحاضرة، وفق رؤيتها، النقطة الحارقة: لا تستطيع ألمانيا ببساطة الوفاء بالتزاماتها تجاه الاتفاقيات الدولية بمجرد اعتماد سياسة خارجية جديدة. وما تحتاجه هو القطيعة’ مع الولايات المتحدة والبرجوازية الالمانية التابعة لها، والتي تمثل أولا مصالح الأوليغارشية الأمريكية وصناديقها الاستثمارية في أوروبا. تمتلك الصناديق الاستثمارية الأمريكية حصصًا كبيرة في جميع الشركات الألمانية الكبرى تقريبًا. على سبيل المثال، تُعد شركة بلاك روك الأمريكية أكبر مساهم في شركة راينميتال الألمانية، أكبر مصنّع للأسلحة في ألمانيا. وهذه المعركة لم تُخاض بعد.
وفي الختام لخصت المحاضرة، أن الحياد لا يعني الانعزال عن العالم، بل هو ضبط ذكي للنفس والتركيز على نقاط القوة الذاتية: الاقتصاد والتكنولوجيا والهيكلة الهندسية. إن من شأن ذلك أن يجعل الشعب الألماني أقل عرضة للخطر، وأكثر ازدهارًا، وأكثر سيادة. لقد أدت السياسة الحالية للاندماج غير المشروط في الهياكل الغربية تحت الهيمنة الأمريكية إلى التبعية، وتراجع الصناعة، وزيادة خطر الحرب. بالنسبة لجميع حلفاء الولايات المتحدة، أصبحت مسألة التحالف، خطر وجودي متزايد الأهمية. وهذا ينطبق على سويسرا أيضًا، فإن التخلي عن الحياد سيكون بمثابة طرح السؤال الوجودي: "يجب على كل من يدافع بمصداقية عن دولة الرفاه والسلام من خلال الحوار أن يدعم الخروج من حلف الناتو أو الحفاظ على الحياد دون قيد أو شرط".