مرت قبل أيام الذكرى الثامنة والستون لثورة الرابع عشر من تموز، لكنها مرت في وجدان كثير من العراقيين مثقلةً بالأسى، وكأن حدثاً غيّر مسار العراق بأكمله قد أصبح مجرد تاريخ عابر في روزنامة الأيام. خفت حضورها في المشهد الرسمي، فيما بقي استذكارها حاضراً لدى قوى وطنية وشخصيات سياسية ومثقفين، وفي مقدمتهم صحيفة طريق الشعب، والحركات الوطنية العريقة، وأحرار العراق الذين ما زالوا يرون في هذا اليوم محطةً مفصلية من تاريخ وطنهم.
ولعل أكثر ما يدعو إلى الدهشة ليس اختلاف المواقف السياسية من ثورة الرابع عشر من تموز، وإنما أن تتعرض مناسبة بهذا الحجم إلى التهميش، وكأن الذاكرة الوطنية يمكن أن تُدار بالقرارات، أو أن تُعاد صياغة التاريخ بحذف يومٍ صنع منعطفاً كبيراً في مسيرة الدولة العراقية.
ليست الأوطان دفاتر رسمية تُضاف إليها المناسبات وتُحذف منها بقرار، وليست ذاكرة الشعوب ورقةً إدارية تخضع لتبدل الحكومات أو تغير المزاج السياسي. فهناك أحداث تتجاوز زمن وقوعها لتصبح جزءاً من هوية الوطن، ومن الوعي الجمعي لأبنائه، ومن السردية التي تشكل تاريخ الدولة. والرابع عشر من تموز ليس مجرد تاريخ عابر في التقويم العراقي، بل محطة مفصلية رسمت ملامح مرحلة كاملة من تاريخ العراق، وأسهمت في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع، لتصبح ذكراها جزءاً من الإرث الوطني الذي لا يجوز أن يُختزل، ولا أن يُهمَّش، ولا أن يُلغى.
إن ثورة الرابع عشر من تموز ليست حكراً لمؤسسيها وللقادة العسكريين الذين صنعوها .. وهي ليست ملكاً لحزب أو تيار فكري مهما كانت مكانته. بل هي ملك لتاريخ العراق، وملك للشعب العراقي بأسره، وملك للأجيال التي صنعتها، وللأجيال التي عاصرتها، وللأجيال القادمة التي من حقها أن تقرأ تاريخ وطنها كاملاً، دون حذف أو انتقاء أو إقصاء. لقد شارك في صناعة ذلك التحول الكبير ضباط وجنود، ومثقفون ومفكرون، وعمال وفلاحون، ووطنيون من مختلف الاتجاهات، حملوا على عاتقهم مشروعاً لتغيير وجه العراق.
وليس من قبيل المبالغة القول إن العراق الحديث ما زال يحمل في بنيته كثيراً من الآثار التي أطلقتها ثورة الرابع عشر من تموز. فهناك تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية ومؤسساتية انطلقت من تلك المرحلة، ولا يزال العراقيون يعيشون آثار جانب منها حتى اليوم، سواء بقيت كما هي أو تعرضت لاحقاً للتعديل والتغيير. فالتاريخ لا يُقاس بعمر الحكومات، وإنما بالأثر الذي يتركه في مسيرة الشعوب.
إن ذاكرة العراق لم تُبنَ على حدث واحد، بل على محطات كبرى صنعت وجدانه الجمعي. فمن ثورة الإمام الحسين عليه السلام، بما تمثله من رمز خالد لمقارعة الظلم والانتصار لقيم العدالة والكرامة، إلى ثورة العشرين والانتفاضة الشعبانية التي جسدت إرادة شعبية في مواجهة الاستبداد، إلى تظاهرات تشرين التي عبرت عن تطلعات واسعة نحو الإصلاح والتغيير، بقيت هذه المحطات حاضرة في الوعي العراقي، لأنها أصبحت جزءاً من التاريخ الوطني، بصرف النظر عن اكتمال مساراتها أو تعثرها. وكذلك فإن الرابع عشر من تموز هو أحد هذه المنعطفات الكبرى التي لا يجوز اقتلاعها من الذاكرة الوطنية.
والمفارقة التي تستوقف كل متابع منصف، أن النظام البعثي الدكتاتوري الذي حكم العراق طيلة ثلاثة عقود ونصف، على الرغم من خصومته السياسية والفكرية العميقة مع ثورة الرابع عشر من تموز ومؤسسيها، وعلى الرغم من انقلابه على كثير من منطلقاتها، لم يتجرأ على محوها من الذاكرة التاريخية للعراق أو إلغاء حضورها خلال فترة حكمه، بوصفها حدثاً مفصلياً وملكاً للبلاد وللذاكرة العراقية .
أما اليوم، فإن تغييب هذه المناسبة يثير تساؤلات حقيقية حول جدوى إبعاد العراقيين عن إحدى أهم محطات تاريخ دولتهم الحديثة.
إن الأمم الواثقة من تاريخها لا تخشى ذاكرتها، ولا تتعامل مع الأحداث الكبرى بمنطق الإلغاء، لأن التاريخ لا يُكتب بقرارات إدارية، ولا يُمحى بحذف مناسبة من التقويم الرسمي. فالتاريخ يبقى حيث صنعه الشعب، وتحفظه ذاكرة الأجيال، وتخلده الكتب والضمائر.
ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لذكرى الرابع عشر من تموز ليست انتصاراً لتيار سياسي، ولا انحيازاً لفكر دون آخر، بل هي انتصار لذاكرة العراق نفسها. إنها دعوة إلى احترام التاريخ الوطني، وإلى صيانة إحدى أهم محطاته من النسيان والتهميش، وإلى إعادة النظر في قرار إلغاء هذه المناسبة، بما ينسجم مع قيم الوفاء لتاريخ العراق، واحترام تضحيات أبنائه، وترسيخ حق الأجيال في أن تتعرف على ماضي وطنها كاملاً، لأن الأوطان التي تحفظ تاريخها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها.