اخر الاخبار

ليست أخطر خسارة تتعرض لها الدولة أن تفقد المال، بل أن تفقد ذاكرتها. فالدولة التي لا تتعلم من أخطائها محكوم عليها أن تدفع ثمنها مرة بعد أُخرى.

في الدول الهشة، يُقاس نجاح المسؤول بعدد الملفات التي يحتفظ بها في مكتبه. أما في الدول الراسخة، فيُقاس نجاحه بعدد الملفات التي تستطيع المؤسسة إنجازها من دونه. هذه ليست مفارقة بلاغية، بل معيار يكشف الفرق بين دولةٍ تعتمد على الأشخاص، ودولةٍ تعتمد على المؤسسات.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في أي مشروع إصلاحي ليس: من يقود المؤسسة؟ بل: هل تستطيع المؤسسة أن تستمر بالكفاءة نفسها إذا تغيّر قائدها؟

لقد اعتاد الخطاب السياسي أن يربط الإصلاح بتغيير المسؤولين، وكأن المشكلة تكمن دائماً في الأشخاص. غير أن التجارب أثبتت أن المسؤول قد ينجح في اتخاذ قرار شجاع، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع دولة. فالدولة لا تُبنى بقرار ناجح، وإنما بمنظومة تجعل النجاح قابلاً للتكرار، والخطأ قابلاً للتصحيح.

ومن هنا تبرز فكرة أرى أنها تمثل جوهر أي مشروع إصلاحي، وهي الذاكرة المؤسسية للدولة. والمقصود بها قدرة المؤسسة على الاحتفاظ بالخبرة، وتحويل التجارب إلى إجراءات، والأخطاء إلى دروس، بحيث لا تبدأ من الصفر مع كل تغيير في المسؤوليات. فالدولة التي تمتلك ذاكرة مؤسسية لا تعيش على ذكريات الأشخاص، بل على تراكم المعرفة.

ولعل تجارب عدد من الدول تؤكد هذه الحقيقة، فعلى سبيل المثال، نجحت إستونيا في تقليص كثير من مظاهر الفساد بعد التحوًل الواسع الى الحكومة الرقمية، حيث أصبحت معظم الخدمات تُنجز إلكترونياً، ما قلّل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، وأغلق منافذ كثيرة كانت تُستغل في الفساد.

ولم يكن سر النجاح في أشخاص استثنائيين، بل في بناء مؤسسات جعلت النزاهة جزءًا من طريقة عمل الدولة.

وهنا تكمن المفارقة التي كثيرًا ما يغفل عنها النقاش العام: قد يبدو المسؤول الذي لا يُستغنى عنه رمزًا للنجاح، لكنه قد يكون الدليل الأوضح على أن المؤسسة ما زالت ضعيفة. فكل مؤسسة يتوقف عملها على وجود شخص بعينه تعلن، من حيث لا تشعر، أنها لم تكتمل بعد.

ولعل أخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال العام وحدها، بل سرقة قدرة الدولة على التعلّم. لأن المال يمكن تعويضه، أما المؤسسة التي لا تتعلم من أخطائها فإنها تعيد إنتاجها، وتمنح الفساد فرصة جديدة للظهور بأسماء مختلفة وأساليب مختلفة.

فالفساد لا يستمر لأن الفاسدين أقوى من الدولة، بل لأن مؤسساتها لم تبلغ بعد من القوة ما يمنع تكرار أسبابه.

وفي العراق، تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة، لأن نجاح أي مشروع إصلاحي لن يُقاس بعدد القضايا التي تُفتح أو المسؤولين الذين يُحاسبون، بل بقدرة المؤسسات عللا منع تكرار أسباب الفساد وتحويل النزاهة الى ممارسة مؤسسية دائمة.

فالنجاح الحقيقي لا يتحقق عندما يُحاسب فاسد، بل عندما تُغلق الثغرة التي سمحت بظهور فاسد آخر. ولا يتحقق عندما تُسترد أموال، بل عندما تصبح حماية المال العام جزءً من بنية الإدارة نفسها، لا استجابةً لظرف سياسي أو ضغط إعلامي.

إن المواطن لا يبحث عن مسؤول استثنائي في كل مؤسسة، بل عن مؤسسة تمنحه حقه وفق القانون، مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت القيادات. فالثقة بالدولة لا تُبنى بالإعجاب بالأفراد، وإنما بالاطمئنان إلى أن النظام يعمل بالكفاءة نفسها، أيّاً كان من يديره.

ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء رأس المال المؤسسي للدولة؛ أي المعرفة المتراكمة، والإجراءات الواضحة، والرقابة الفاعلة، والتحول الرقمي، وربط المسؤولية بالكفاءة، حتى تصبح المؤسسة قادرة على التعلم من أخطائها، لا على تكرارها.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مشروع إصلاحي:

هل نريد مسؤولين أقوياء يديرون مؤسسات ضعيفة، أم مؤسسات قوية قادرة على صناعة مسؤولين أكفاء؟

إن بناء المؤسسات ليس خياراً إدارياً، بل هو الضمان الحقيقي لإستمرار الإصلاح وحماية الدولة من تكرار أخطاء الماضي . فالمسؤولون يرحلون، أما المؤسسات فتبقى، وما يبقى هو الذي يصنع مستقبل الدول. لذلك، لا يُقاس نجاح الإصلاح بعدد الفاسدين الذين أُبعِدوا، بل بعدد الأخطاء التي لم يعد أحد قادراً على تكرارها.