يمكن القول أن صدور جريدة (الصحيفة) التي أصدرها حسين الرحال في 18 كانون الآول عام 1924 هو الميلاد الحقيقي للصحافة الشيوعية في العراق، بالرغم من أن هذه الصحيفة كانت أدبية علمية إجتماعية، إلا أنها تميزت بنهج يساري ماركسي، وقد توقفت بعد صدور أربعة أعداد منها، ثم أعيد إصدارها قبل أن تتوقف بشكل نهائي. وعلى صعيد اخر لعب الرفيق فهد دوراً بارزاً في إرساء أسس راسخة للصحافة الشيوعية في العراق، فقبل تأسيس الحزب، عمل الرفيق فهد مراسلاً لجريدة الاهالي في الناصرية، وكان يكتب الآخبار والتقارير التي تكشف معاناة الفلاحين والكادحين والطبقات المسحوقة، وكان يوقع مقالاته بإسم (ياسين خلف) او(إبن المنتفك) أو(مراسلكم)، وعندما أصدر الحزب صحيفته الأولى (كفاح الشعب) في 31 تموز 1935، كان الرفيق فهد خارج الوطن، لكنه كان من أبرز كتابها، لآنه يدرك الدور الكبير الذي تلعبه الصحيفة، ليس بإعتبارها داعيا جماعيا ومحرضا جماعيا فقط، بل كمنظم جماعي أيضا!
وبعد صحيفة (كفاح الشعب) صدرت (الشرارة) نهاية عام 1940، ثم جريدة (القاعدة) مطلع عام 1943، كما صدرت جرائد (العمل) و(وحدة النضال) و(النجمة) و(الاتحاد) و(شورش) ونجح الحزب في إصدار صحيفتين علنيتين هما (الأساس) و (العصبة). وفي السجن أصدر الحزب ما بين عام 53 - 1954 جريدة (كفاح السجين)، وفي نيسان 1944 اصدر الحزب جريدة ازادي (الحرية) السرية باللغة الكردية، وكان فهد والشهيد زكي بسيم (حازم) يشرفان عليها، بالإضافة لملا شريف عثمان، كما أصدر الحزب جريدة (همك) ومعناها القاعدة وهي ناطقة بإسم الفرع الأرمني للحزب. كما أسس الحزب دار نشر بإسم (دار الحكمة) لإصدار الكتب التقدمية، إلآ أنها لم تعمر طويلاً وأغلقتها السلطات الملكية. ووظف الشيوعيون الصحافة العلنية للأحزاب والقوى الوطنية العراقية، لنشر أفكارهم والتعبير عن مواقفهم السياسية، في مختلف القضايا، ويذكر الجواهري في مذكراته، كيف قدم له فهد أوراقاً دفعها فوراً الى المطبعة لتكون إفتتاحية صحيفته ليوم غد، حتى دون أن يقرأها ثقة بما يكتبه الشيوعيون، وقائدهم فهد بشكل خاص.
مميزات صحافة الحزب: هناك مميزات شكلية تتعلق بنوع الورق مثلاً، فهو عموماً غير جيد بحكم ظروف العمل السري، والمكان الذي يحفظ فيه وتكلفته.. الخ، أما بالنسبة للطبع والإخراج، فهما عموماً دون المستوى المطلوب، إذ يتم ألإخراج من قبل رفاق غير متخصصين، وتطبع الجريدة في ظروف بالغة الصعوبة، وبحجم صغير وبحروف صغيرة متداخلة، لا تقرأ إلا بصعوبة أحياناً، ومن يتذكر رواية (أيام صعبة) لبهاء الدين نوري، يستطيع أن يتخيل كيف كانت تطبع صحافة الحزب السرية، وأي مشاق يتحملها الرفاق من أجل إستمرارها، والجانب الشكلي يرتبط بظروف العمل السري، حيث المطاردة البوليسية من قبل أجهزة النظام، والتبدل المستمر للبيوت السرية خوفا من الوشايات والخيانات والإنهيارات ، بالاضافة الى صعوبة الإمكانيات المادية للتنظيم! أما ما يتعلق بالمضمون فيختلف تماماً، بل هو يزيح كل أو معظم السلبيات الشكلية، فكتاب الجريدة هم قادة الحزب وكوادره المثقفة، ولديهم وضوح كامل في المواضيع السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يتناولونها، وقد كتبوا عن القضايا الوطنية والطبقية والقومية، وهم كتاب شعبيون، بمعنى إنهم لا يعيشون في أبراج عاجية، ولا يكتبون من خلف مناضد في مكاتب معزولة، إنهم يختلطون بالناس ويكتبون عن معاناة الناس، لذلك كانت كتاباتهم صادقة وواقعية وقريبة من تطلعات الجماهير! كما أن حجم الجريدة الصغير، وكونها شهرية أو دورية أحياناً، يجعل التكثيف والإقتصاد ضرورياً، لذلك تميز الصحفيون الشيوعيون في تلك الفترة بالإختصار والتكثيف ورفض الإنشاء، كان شعارهم (أعمق الأفكار وأهمها ولكن بأقل الكلمات)، كما تميزوا أيضاً في أنهم أحرار، بمعنى أن ليس هناك رقيباً سلطوياً يحد من حريتهم في ما يكتبون، لذلك كانت كتاباتهم فاضحة للسلطة ولسياستها ولعمالتها، وسلوك أجهزتها وموظفيها! ولكن هذه الحرية كانت محكومة أيضاً، بتوجهات الحزب وبسياسته وبشعاراته في كل مرحلة! وكان الصحفي الشيوعي يدرك كل ذلك ويتحرك في إطاره! ويمكن القول إن الصحفيين الشيوعيين في تلك الفترة، لم يكونوا خريجي مدارس صحفية أو دورات خاصة، وهم لا يمكن أن يتطوروا صحفياً في صحيفة شهرية سرية، ولكنهم عموماً سياسيون مثقفون، وقد إرتبطت كلمة الثقافة بالشيوعية، وقد برز من بين هؤلاء عدا الرفيق فهد وحازم وصارم، الرفيق زكي خيري وبهاء الدين نوري وذو النون أيوب وجمال الحيدري وعامر عبد الله وعشرات غيرهم!