لا تُقاس قيمة الصحافة بعدد ما تنشره من أخبار أو بما تحققه من انتشار، وإنما بقدرتها على الدفاع عن حق الإنسان في المعرفة، وإتاحة المجال لتعدد الآراء، وحماية حرية التعبير بوصفها إحدى الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي. ومن هذا المنطلق، ارتبط تاريخ الصحافة في مختلف بلدان العالم بتاريخ النضال من أجل الحريات العامة، وكان العراق، بما شهده من تحولات سياسية واجتماعية عميقة، أحد الميادين التي خاضت فيها الصحافة معاركها دفاعًا عن الكلمة الحرة.
وفي هذا السياق، تحتل الصحافة الشيوعية في العراق مكانة خاصة في تاريخ الصحافة الوطنية. فمنذ صدور جريدة (كفاح الشعب) بشكل سري، في ٣١ تموز ١٩٣٥، وما تلاها من صحف سرية وعلنية، لم تقتصر مهمتها على نقل الأخبار أو التعبير عن مواقف الحزب الشيوعي العراقي، بل سعت إلى بناء فضاء ثقافي وفكري يربط بين حرية التعبير والوعي المجتمعي، وبين الدفاع عن الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والإيمان بأن المعرفة شرط أساسي لأي مشروع إصلاحي أو تقدمي.
لقد ولدت معظم صحف الحزب الشيوعي العراقي في ظروف لم تكن حرية الصحافة فيها مكفولة، بل كانت خاضعة لتقلبات الحياة السياسية، وللقوانين الاستثنائية، الرقابة، الإغلاق والملاحقة. ولهذا اكتسبت الكلمة المنشورة قيمة تتجاوز وظيفتها الإخبارية، لأنها كانت، في كثير من الأحيان، تعبيرًا عن حق المجتمع في الاطلاع على آراء ورؤى لم تكن تجد مكانًا لها في الإعلام الرسمي. ومن هنا جاءت أهمية الصحافة السرية، التي مثلت وسيلة للحفاظ على استمرارية الحوار السياسي والفكري في ظروف بالغة الصعوبة.
ولم يكن دفاع الصحافة الشيوعية عن حرية التعبير مقتصرًا على القضايا السياسية، بل امتد إلى ميادين الثقافة، الأدب، الفنون والعلوم. فقد احتضنت صفحاتها كتابًا وشعراء وفنانين ومترجمين ونقادًا، وأسهمت في التعريف بتيارات فكرية وأدبية عالمية، وشجعت الترجمة والنقد والحوار، إيمانًا منها بأن حرية التعبير لا تكتمل إلا بحرية التفكير، وأن بناء مجتمع ديمقراطي يحتاج إلى ثقافة نقدية، لا إلى تكرار الشعارات.
كما أولت اهتمامًا واضحًا بقضايا العمال والفلاحين والمرأة والشباب والطلبة، وعدّت إتاحة المجال أمام هذه الفئات للتعبير عن قضاياها جزءًا من مفهوم الحرية نفسه. فحرية التعبير لا تعني فقط حق الكاتب أو الصحفي في الكتابة، بل تعني أيضًا أن تجد مختلف فئات المجتمع منبرًا يعكس همومها وآمالها، ويمنحها حق المشاركة في النقاش العام.
ولأن الكلمة الحرة كانت، في مراحل كثيرة من تاريخ العراق، محفوفة بالمخاطر، فقد دفع عدد من الصحفيين والكتاب والعاملين في الصحافة الشيوعية أثمانًا باهظة نتيجة مواقفهم، بين الاعتقال، الملاحقة، المنع والاستشهاد. ويشكل هذا السجل جزءًا من تاريخ الصحافة العراقية عمومًا، ومن تاريخ النضال من أجل حرية التعبير على وجه الخصوص، بصرف النظر عن الانتماءات السياسية والفكرية، لأن الدفاع عن حق الإنسان في إبداء رأيه ظل، ولا يزال، من القضايا الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية.
واليوم، تبدو قضية حرية التعبير أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في الماضي. فمع أن وسائل الإعلام والمنصات الرقمية أتاحت إمكانات واسعة للوصول إلى المعلومات ونشر الآراء، فإنها أفرزت في الوقت نفسه تحديات جديدة، من بينها حملات التضليل، وخطاب الكراهية، والاستقطاب الحاد، والضغوط السياسية والاقتصادية التي قد تؤثر في استقلالية المؤسسات الإعلامية، فضلًا عن المخاطر التي ما زال يواجهها الصحفيون في كثير من أنحاء العالم، ومنها العراق.
ومن هنا، فإن استذكار تجربة الصحافة الشيوعية في العراق لا ينبغي أن يكون استغراقًا في الماضي أو مجرد احتفاء بتاريخها، بل مناسبة للتأمل في القيم التي دافعت عنها، وفي مقدمتها حق المجتمع في المعرفة، احترام العقل، تشجيع الحوار، والدفاع عن حرية الرأي والتعبير. فهذه القيم لا تخص تيارًا سياسيًا بعينه، وإنما تمثل أساسًا لأي صحافة مهنية تسعى إلى خدمة المجتمع، وتعزيز ثقافة المواطنة، وإعلاء شأن الحقيقة.
لقد كانت الصحافة الشيوعية، في جانب مهم من تجربتها، جزءًا من حركة أوسع في تاريخ العراق الحديث، سعت إلى توسيع المجال العام، وإشراك المواطنين في النقاش حول قضايا وطنهم، وربط الثقافة بالحياة اليومية، والدفاع عن الفئات الأقل تمثيلًا في المجال العام. ولهذا فإن قراءة هذه التجربة اليوم ينبغي أن تكون قراءة تاريخية نقدية ومنصفة، تستحضر إنجازاتها، تعترف بتحدياتها، وتضعها في سياقها السياسي والاجتماعي، بعيدًا عن التمجيد المطلق أو الأحكام المسبقة.
وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة حول مستقبل الصحافة، واستقلالها، وحدود حرية التعبير، تظل تجربة الصحافة الشيوعية في العراق جزءًا من الذاكرة الوطنية للصحافة العراقية، وتجربة جديرة بالبحث والتوثيق والدراسة، لا لأنها تمثل تاريخ حزب سياسي فحسب، بل لأنها أسهمت، مع غيرها من التجارب الوطنية، في ترسيخ فكرة أن الكلمة الحرة ليست امتيازًا تمنحه السلطة، بل حقًا من حقوق الإنسان، ومسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه المجتمع، وركنًا لا غنى عنه في بناء دولة ديمقراطية تحترم التعددية وتصون كرامة مواطنيها.