في عيد الصحافة العراقية، لا نستذكر الصحافة بوصفها مهنة لنقل الأخبار فحسب، بل بوصفها رسالة اجتماعية وثقافية ووطنية، أسهمت في تشكيل الوعي العام، والدفاع عن قيم الحرية والعدالة والديمقراطية. ومن بين أبرز التجارب التي تركت أثراً عميقاً في تاريخ الصحافة العراقية، تبرز الصحافة الشيوعية التي ارتبطت منذ نشأتها بقضايا الشعب، وحملت هموم المثقفين والمبدعين، وجعلت من الثقافة التقدمية مشروعاً دائماً لمواجهة الجهل والتعصب والاستبداد.
لقد أدركت الصحافة الشيوعية مبكراً أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الدولة، وأن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل قوة قادرة على تغيير المجتمع والدفاع عن كرامته.
لذلك لم تقتصر صفحاتها على السياسة والأحداث اليومية، وإنما تحولت إلى فضاء رحب للأدب والفن والفكر والنقد، تستقبل الأقلام الجديدة، وتحتفي بالتجارب الإبداعية، وتفتح أبواب الحوار أمام مختلف الاتجاهات الديمقراطية والتنويرية.
وكانت صحيفة طريق الشعب، ومعها الصحف والمجلات التي أصدرها الشيوعيون في مراحل مختلفة، مدرسة حقيقية لاحتضان المواهب الأدبية والفنية.
فقد نشرت قصائد الشعراء، وقصص الروائيين، ودراسات النقاد، ومقالات المفكرين، وواكبت الحركة المسرحية والتشكيلية والسينمائية والموسيقية، مؤمنة بأن الثقافة الوطنية لا يمكن أن تزدهر إلا في مناخ الحرية والتعدد واحترام الرأي الآخر.
ولم يكن معيار النشر الانتماء الحزبي، بل القيمة الفكرية والإبداعية.
ولهذا وجد في هذه الصحافة كثير من الأدباء والفنانين والمثقفين الديمقراطيين منبراً حراً للتعبير عن أفكارهم، حتى وإن اختلفوا معها في بعض الرؤى السياسية.
فقد جمعتها جميعاً قناعة مشتركة بأن الدفاع عن العقل والتنوير والعدالة الاجتماعية هو دفاع عن مستقبل العراق.
لقد دفعت الصحافة الشيوعية ثمناً باهظاً لهذا الدور.
تعرّض صحفيوها وكتّابها إلى الملاحقة والاعتقال والنفي، وأُغلقت صحفها مراراً، وصودرت مطابعها، واستشهد عدد من العاملين فيها وهم يؤدون رسالتهم.
ومع ذلك بقيت الكلمة الحرة أقوى من محاولات إسكاتها، وعادت هذه الصحافة في كل مرة لتواصل دورها في الدفاع عن حرية التعبير وحقوق الإنسان.
وإذا كانت الصحافة قد وُصفت بأنها (السلطة الرابعة)، فإن الصحافة الشيوعية العراقية كانت أيضاً سلطة أخلاقية، لأنها انحازت دائماً إلى الفقراء والكادحين، وإلى قيم المواطنة والمساواة، وإلى حق الإنسان في التعليم والثقافة والعمل الكريم. ولم تفصل بين النضال السياسي والعمل الثقافي، بل رأت فيهما وجهين لمشروع حضاري واحد، يقوم على تحرير الإنسان من الخوف والجهل والاستغلال.
كما كان حضورها الثقافي مؤثراً في ترسيخ قيم الحوار والانفتاح، ومواجهة الخطابات الطائفية والعنصرية والمتطرفة، عبر نشر الفكر النقدي، وتشجيع القراءة، وإبراز النتاجات الإبداعية العراقية والعربية والعالمية.
ولهذا أسهمت في تكوين أجيال من القراء والكتّاب الذين وجدوا فيها نافذة على آفاق الفكر الإنساني الحديث.
واليوم، في زمن تتزاحم فيه وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تظل الحاجة قائمة إلى صحافة تحمل المسؤولية الأخلاقية نفسها، وتؤمن بأن الحقيقة ليست سلعة، وأن الثقافة ليست زينة، وأن الكلمة يمكن أن تكون جسراً لبناء الوطن، لا أداة لتمزيقه.
فالتكنولوجيا تتغير، لكن الرسالة النبيلة للصحافة تبقى ثابتة: الدفاع عن الإنسان، وصون الحقيقة، وإعلاء قيمة العقل.
في عيد الصحافة العراقية، نستذكر باحترام كل الصحفيين الذين جعلوا من الكلمة موقفاً، ومن القلم ضميراً، ونخص بالتقدير الصحافة الشيوعية العراقية التي كانت، وما تزال، منبراً للثقافة التقدمية، وحاضنة للأدباء والفنانين والمثقفين التنويريين والديمقراطيين، وأسهمت في ترسيخ قيم الحرية والعدالة والجمال، لتبقى صفحاتها جزءاً مضيئاً من تاريخ العراق الثقافي والوطني، وشاهداً على أن الكلمة الحرة لا تموت، مهما اشتدت العواصف.