إن من حقوق المواطنة التي أقرتها الدساتير والتشريعات والمواثيق العربية والإقليمية والدولية أن يتمتع المتهم، في شتى القضايا، سواء كانت الاتهامات الموجهة إليه باطلة أم فعلية، بمحاكمة عادلة تضمن له حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها حق الدفاع عن نفسه، والاستماع إلى أقواله، ومناقشة ما يُنسب إليه من أفعال وفق الأصول القانونية.
كما يجب أن يتساوى ميزان العدالة بين ما للمتهم من حقوق وما عليه من التزامات، وأن تتم مساءلته، عند ثبوت ارتكابه لأي فعل مجرّم، وفق القانون، سواء تعلق الأمر بالجنح أو الجنايات أو غيرها من الأفعال التي تستوجب المساءلة القانونية، بعيدًا كل البعد عن التعسف في استخدام السلطة، أو استغلال القضاء كوسيلة للضغط والانتقام وتكميم الأفواه.
فالقضاء يمثل السلطة القضائية، وهي سلطة تُدار من قبل رجال القانون الذين لم يصلوا إلى هذه المكانة، ولم يتحملوا هذه المسؤولية الإنسانية والقانونية والأخلاقية، إلا ليضعوا الحق والعدل نصب أعينهم، وأن يجعلوا من القانون وسيلة لإقامة العدل وصيانة الحقوق والحريات، لا أن يتحول تطبيق القانون إلى صورة من صور الانتقام أو تصفية الحسابات، أو أن يصبح أداة لتنفيذ إرادات جهات متنفذة، أو وسيلة لمحاسبة أفراد بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية، لمجرد أنهم يرون في تلك المواقف ما يعتقدون أنه صواب.
وبذلك، فإن القضاء يضمن للمتهم محاكمة عادلة وفق الأدلة والبراهين والحجج، ويكيّف مواد القانون الواجب تطبيقها على الواقعة حسب الاختصاص، وبالتالي عدم الانحياز لأي جهة، كون واجب القانون الكشف عن الحقيقة للمجتمع، بأن القانون فوق الجميع.
إلا أنه حين يفقد الفرد تلك الضمانات الدستورية، تصبح تلك المحاكمات حبرًا على ورق، كون الأحكام قد صدرت مسبقًا دون حجة أو دليل، فتفقد أركان المحاكمة العادلة، وتصبح محاكمة صورية؛ سواء أذنبت أم لم تذنب، أنت مذنب في نظر تلك المحاكمات التي تمس كرامة الإنسان ولا تصون أرواحهم.
ويغدو القضاء خاضعًا لإرادة الأقوى، وتفقد السلطة القضائية ثقة الأفراد بها، ويتجنبون اللجوء إليها في أبسط الأمور، وتسود روح الأعراف العشائرية في حل النزاعات، وإن كانت إحدى الطرق التي أثبتت فعاليتها في العراق ودول المنطقة.
إن ما أطرحه في هذه المقالة ليس حديثًا عابرًا أو حالات فردية، فقد عرف العراق، وعبر حكوماته المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ولغاية يومنا هذا، نماذج متعددة من المحاكمات التي افتقرت إلى أبسط مقومات العدالة. ولعل أعضاء وأنصار الحزب الشيوعي العراقي كانوا من بين أبرز من تعرضوا للملاحقة والاعتقالات الجماعية، ليس لشيء سوى لانتمائهم إلى الحزب ونشاطهم الفكري والوطني ومواقفهم السياسية.
إن السؤال الذي يبرز إلى سطح المقال: إذا كان أساس قيام الدول، وليس الحكومات، هو الإنسان، فإن الدولة تفقد ركنها الأساسي بفقدان المواطن الذي أُسست من أجل صون كرامته والحفاظ على حقوقه. فكيف يتم التعامل معه بهذا الاستخفاف بمصيره ومصير عائلته، من خلال محاكمات صورية تفقد المواطن حقه في أن يكون جزءًا من حكومة تشكلت لرعاية مصالحه، بما يوافق الدستور؟
ومن هنا يمكن قراءة تجارب المعتقلين السياسيين في العراق بوصفها جزءًا من تاريخ طويل من الصراع بين السلطة وحرية الرأي، وهو ما يقودنا إلى أمثلة أخرى في المنطقة، ومنها ما تعرض له عدد من المعتقلين والنشطاء الصحراويين من اعتقالات ومحاكمات أثارت انتقادات حقوقية واسعة.
حيث توثق المصادر اعتقال 25 صحراويًا من مجموعة أكديم إيزيك، ظلوا رهن السجن لسنوات، في محاكمات وصفتها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بأنها غير عادلة، واعتمدت، بحسب ما أوردته المنظمتان، على اعترافات قال المعتقلون إنها انتُزعت تحت وطأة التعذيب. كما حوكموا أمام محكمة عسكرية، رغم كونهم مدنيين، ثم أُعيدت محاكمتهم أمام محكمة مدنية.
ومن أبرز المعتقلين في هذه القضية النعمة أسفاري، وعبد الله الوالي أحمد لخفاوني، الذي بدأ إضرابًا إنذاريًا عن الطعام.
وقد صدرت بحقهم أحكام تتراوح من 20 سنة سجن إلى المؤبد، وقد استُؤنفت الأحكام أمام محاكم الاستئناف في الرباط، وأُيّدت الأحكام التي صدرت مع تخفيض بعضها، رغم الانتقادات الحقوقية بشأن جوهر القضية، ولا سيما فيما يتعلق بالأدلة وادعاءات التعذيب.
إن قضية أكديم إيزيك، بما رافقها من اعتقالات ومحاكمات، أصبحت واحدة من أهم القضايا التي يُضرَب بها المثل عند التحدث عن الضمانات الحقيقية لمحاكمات عادلة وحقوق المعتقلين الصحراويين، حيث تبرز خطورة القضية عند الوقوف على تفاصيلها، عندما تم تفكيك مخيم أكديم إيزيك وما أعقبه من مواجهات، وأن المعتقلين الصحراويين أبدوا رأيهم في أن الصحراء الغربية ليست صحراء مغربية، وكذلك في حق الشعب الصحراوي في الاستفتاء وتقرير المصير والاستقلال.
ما دامت هناك سجون، وهناك معتقلون يشعرون بأن أبواب الحق أُغلقت أمامهم، فإن الحديث عن المحاكمات العادلة وحقوق الإنسان يبقى حاضرًا، ولا يمكن أن يكون مجرد حديث عابر في لقاء متلفز أو حديث لإحدى الصحف، وإنما هو واقع ملموس يشعر به الإنسان.
لذلك، لا نبالغ إن قلنا إننا نحتاج إلى وقفة حقيقية ومصارحة واقعية مع صُنّاع القرار (السلطة التشريعية للدول)، بأن يشرّعوا ما يمكن من خلاله ألّا يقع ظلم على الفرد، ولا تُهدر حقوقه لمجرد إبداء رأيه، والحفاظ على ذمته وعائلته من أحكام أُعدّت مسبقًا وتهم ملفقة، لا لشيء سوى ليبقى الفرد أكثر ثقة بالحكومة التي تدير أمور دولته.