اخر الاخبار

قبل 45 يوماً على انتهاء المهلة التي حددتها الحكومة العراقية لنزع سلاح الفصائل، وإنهاء عناوينها المسلحة، تشهد بغداد اجتماعات أمنية وسياسية مكثفة، بالتزامن مع توجه وفد يضم عدداً من قادة وممثلي الفصائل إلى طهران خلال الأيام الماضية، وفقاً لمصادر خاصة بـ"العربي الجديد". وأكدت المصادر أن وجودهم في إيران يأتي لبحث ملف سلاح الفصائل وانسحابها من المناطق التي تسيطر عليها على وجه التحديد.

وتواجه الحكومة العراقية منذ أيام تصعيداً جديداً من قبل الفصائل الأكثر نفوذاً وقرباً من طهران، وأبرزها كتائب حزب الله، والنجباء، وأنصار الله الأوفياء، بإعلانها رفض تسليم سلاحها، واعتبار أن الملف "غير قابل للنقاش"، إلى جانب تبدّل واضح في مواقف فصائل وجماعات أخرى، بعد الزيارة التي أجراها زعيم "فيلق القدس" الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد الأسبوع الماضي، إذ هاجمت منظمة "بدر"، بزعامة هادي العامري، الحكومة، وأكدت أن التلويح باستعمال القوة لنزع سلاح الفصائل سيؤدي إلى "توترات وفتنة داخلية"، معتبرة أن تحركات الحكومة مرتبطة "بضغوط تتصل بالعلاقة مع الولايات المتحدة"، وفقاً لبيان صدر عن محمد ناجي، رئيس المكتب السياسي لمنظمة "بدر". واعتبر ناجي لهجة التلويح بالقوة "تجاوزاً كبيراً، ولا نسمح لرئيس الوزراء ولا لغيره بالوصول إلى هذا المستوى في التعامل مع المقاومة، لأن ذلك يفتح الباب على فتنة داخلية، المستفيد منها أولاً وأخيراً هو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومَن يتربص بنا".

وأبلغت أربعة مصادر سياسية وأخرى مقربة من الفصائل العراقية "العربي الجديد"، أن زيارة الجنرال إسماعيل قاآني الأخيرة إلى بغداد حملت رفضاً قاطعاً لتسليم سلاح الفصائل، واعتبر قاآني أن "السلاح مرتبط بالحرب الحالية على الجمهورية الإسلامية"، وفقاً لأحد السياسيين العراقيين، وهو نائب بارز في البرلمان عن الإطار التنسيقي. وقال المصدر ذاته، إن "الحكومة غير مهتمة بالسلاح التقليدي، وإنما يدور الحديث عن الصواريخ التي يتجاوز مداها 100 كيلومتر، والطائرات المسيّرة"، مضيفاً أن "جميع تلك الأسلحة النوعية إيرانية، ومُنحت للفصائل في أوقات متفاوتة خلال السنوات الأخيرة". ويشير النائب إلى جانب من هذه الترسانة، وأبرزها طائرات شاهد 101، ومهاجر 6 ثابتة الجناح، ذات مديات تصل إلى مئات الكيلومترات، إلى جانب الصواريخ الإيرانية التي يتخطى مداها 100 كيلومتر، مثل الأرقب وذو الفقار.

وبسبب هذه الترسانة النوعية، التي تمتلكها عدة فصائل، وهي قليلة مقارنة بعدد الفصائل العراقية، وفقاً لمصدر سياسي آخر، فإن "دول محيط العراق تتشارك مع الولايات المتحدة في ضغوطها على الحكومة بشأن ترسانة الفصائل العابرة للحدود، والتي تشكل خطراً عليها، وأبرزها السعودية والكويت والإمارات والأردن وسورية". وبيّن أن الضغط الحكومي الحالي لا يتعلق بقذائف الهاون أو صواريخ الكاتيوشا والسلاح المتوسط وغيره، إنما بالسلاح النوعي لهذه الفصائل. وأشار المسؤول إلى أن الفصائل ستقرر في النهاية إعادة السلاح إلى إيران، بدلاً من تسليمه للحكومة العراقية، كونها تعتبر إجراء تسليم هذا السلاح للحكومة بمثابة إنجاز أو نصر أميركي في فرض قرارها على المشهد العراقي، كاشفاً عن أن الحكومة تسعى لتحقيق تقدم حالي من خلال إنهاء حالة المدن والمناطق المغلقة التي تسيطر عليها الفصائل، مثل جرف الصخر والعوجة والعويسات وغيرها، وهو ما قد يكون أقرب إلى تحقيقه اليوم من أي وقت آخر.

ولم ينفِ مسؤول في أحد الفصائل العراقية المسلحة، وتحديداً في جماعة "الأوفياء" هذه المعلومات، مؤكدًا خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "الفصائل قررت عدم تسليم سلاحها للحكومة، كما أن خيار المواجهة مع القوات الحكومية مرفوض وغير وارد في أجندتها". واعتبر أن "نقل السلاح إلى الجمهورية الإسلامية، أو حتى اختيار وضعه في مخازن سلاح خاصة، وفقاً لآلية معينة تسمح للدولة بالاطلاع عليه فقط وليس مصادرته، خيارات قابلة للنقاش، لكن فكرة تسليمه كلياً غير مطروحة تماماً". فيما أكد مصدر سياسي آخر، أن مغادرة عدد من ممثلي الفصائل إلى طهران، بشكل منفرد خلال الفترة الماضية، جاءت لفهم التصور الإيراني، وكيفية التعاطي مع المرحلة المقبلة المتعلقة بسلاح الفصائل.

وحذّر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، في مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، مما وصفه بـ"عزلة دولية" سيتعرض لها العراق إذا لم يحسم ملف الفصائل المسلحة التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها، إذ إن المتبقي على مهلة تسليم الفصائل العراقية الموالية لإيران سلاحها للدولة العراقية نحو شهر ونصف شهر، كما حدّدت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي ذلك في الثلاثين من سبتمبر/أيلول المقبل، إلا أن صورة واحدة لم تظهر لعمليات تسلّم الأسلحة أو تسليمها، حتى بالنسبة إلى تلك الفصائل التي أعلنت استعدادها لذلك، كما لم تكشف الحكومة عن نوعية السلاح أو حتى تصدر بيانات بشأن تسلّمها شيئاً.

وكل ذلك يفتح أبواب التساؤل عن خطوات الحكومة الميدانية تجاه الملف الأكثر تعقيداً في البلاد سياسياً وأمنياً، مع استمرار تحدي فصائل عدة، وهي الأكبر عدداً وتسليحاً، لهذه الخطوة. ورغم أن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قال، خلال زيارته منتصف شهر يوليو/تموز الماضي إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إن "أسلحة كثيرة سلّمتها بعض الفصائل، وإنه بعد 30 سبتمبر/أيلول المقبل لا حاجة لوجود أي فصائل"، إلا أنه لم يكشف عن أي تفاصيل أخرى. وفي السادس من الشهر الجاري، أعلن بيان لائتلاف "إدارة الدولة"، الذي يضم القوى السياسية المشاركة في الحكومة العراقية، في ختام اجتماع استثنائي عقده في بغداد، اعتماد قانون مكافحة الإرهاب في التعامل مع أي نشاط مسلح يستمر بعد انتهاء مهلة الثلاثين من سبتمبر/أيلول المقبل، وهو ما يمنح الحكومة غطاءً سياسياً وقانونياً واسعاً لاتخاذ إجراءات تنفيذية بحق أي جهة تحتفظ بالسلاح خارج المؤسسات الأمنية الرسمية.