لم يعد تزييف الوعي مجرد حالة عابرة أو رد فعل سياسي ظرفي، بل تحول إلى منهج متكامل يعاد من خلاله تشكيل إدراك الأفراد والجماعات، بما يخدم قوى تسعى لفرض هيمنتها بوسائل غير مباشرة سلاح ناعم، وهو أخطر من المواجهة الصريحة لأنه يعمل على تغيير القناعات من الداخل، دون أن يشعر الإنسان بأنه يتعرض للتوجيه أو التلاعب، وخاصة للاجيال التي لم تعاصر الثورات والتحولات السياسية في الدول العربية.
في ظل هذا الواقع، تلعب الرأسمالية دورا في إعادة إنتاج الوعي بما يخدم مصالحها، فهي لا تكتفي بالسيطرة الاقتصادية، بل تمتد لتؤثر في الثقافة والإعلام والتعليم، وحتى في طريقة قراءة التاريخ من قبل الفرد، ومن خلال أدواتها المتعددة تقدم نفسها باعتبارها النموذج الوحيد الممكن بل الأفضل، في حين تصور البدائل الأخرى على أنها فاشلة أو قمعية أو غير قابلة للحياة.
أحد أبرز أساليب هذا التزييف في الوقت الحاضر هو إعادة صياغة الذاكرة الجماعية، فالأجيال التي لم تعش فترات تاريخية معينة، تصبح أكثر عرضة لتلقي روايات منتقاة أو مشوهة عن الماضي. وهنا يتم التركيز على سلبيات الأنظمة السابقة، دون المرور بايجابياتها وإنجازاتها، ليعاد تقديم الحاضر بكل أزماته على أنه أفضل الممكن، وفي المقابل يجري تلميع صورة النموذج الرأسمالي عبر تسويقه بوصفه رمزا للحرية والرفاه، رغم ما يحمله هذا النظام من تناقضات عميقة كالفوارق الطبقية والاستغلال الاقتصادي، وذلك من خلال الترويج في شبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت أسهل طريقة للوصول إلى كل شخص، في حين ان الوسائل الأخرى كالصحف والمجلات والكتب كانت محدودة الانتشار سابقا.
وفي العراق، وفي ظل التغيرات الحاصلة بعد 2003 يمكن ملاحظة محاولات الأنظمة المسيطرة لإعادة تشكيل وعي شريحة من الأجيال التي لم تعايش مراحل تاريخية معينة، ومحاولة التشويش عليها وتغيير صور التاريخ المسموعة او المقروءة، خاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ووصولها بسهولة للجميع، هذا الجيل الذي نشأ في ظل أزمات معقدة يجد نفسه أمام خطاب يحمل الأنظمة السابقة كل المسؤولية دون قراءة نقدية شاملة، وفي الوقت ذاته يقدم له النموذج الرأسمالي كخلاص نهائي، دون التوقف عند إخفاقاته أو أزماته المتكررة، كما أشار اليه رئيس الوزراء مؤخرا (الخروج عن العقلية الاشتراكية)، وفي الحقيقة لم يحكم العراق نظام اشتراكي منذ تشكيل العراق المعاصر إلى يومنا هذا، وهذا الضخ وتغيير القناعات وتزييف التاريخ بأن الأنظمة الاشتراكية فاشلة وغير قادرة على بناء اقتصاد قوي كما هو الحال في الانظمة الرأسمالية، ما هو إلى محاولة لرسم صورة براقة لغرض تحويل كل ما هو مملوك للدولة إلى القطاع الخاص لاستثماره من قبل الشركات الأجنبية والعابرة للقارات.
ولا يقتصر الأمر على العراق، بل نجد مثالا مشابها في التجربة التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفيتي، حيث نشأ جيل لم يعش تفاصيل النظام الاشتراكي، لكنه تلقى رواية أحادية عنه، ركزت على الإخفاقات وتجاهلت عوامل أخرى ما ساهم في خلق رفض واسع له، بالتوازي مع الترويج للنموذج الرأسمالي بوصفه البديل الطبيعي والناجح ومانح الحريات المطلقة والاكثر ديمقراطية، فمثلا انتشار الأمراض الاجتماعية وزيادة نسب الادمان والمخدرات والدعارة والتسول وعصابات الجريمة المنظمة والمافيات العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في حين لم تكن تلك الحالات موجودة وان كانت موجودة فهي بنسب لا تذكر قبل ذلك التاريخ.
لقد استثمرت الرأسمالية التكنولوجيا لتكون أداتها في تغيير التاريخ والقناعات واستحداث صفحات تاريخية مشوهة تنتج عنها سيطرة على أفكار عدد غير قليل من كتلة بشرية هائلة يصعب إعادة قناعتها إلى الصواب، كما "تشير التقارير الإخبارية والتحقيقات الاستقصائية الأخيرة لعام 2026 إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي بدأت بالاستعانة بموردين لشراء ملايين الكتب الورقية القديمة والنادرة وتدميرها ماديًا بهدف تحويلها إلى بيانات رقمية لتدريب نماذجها اللغوية الكبيرة وتُعرف هذه العملية بـ "المسح الضوئي الإتلافي حيث تقطع كعوب الكتب وتزال أغلفتها لتمرير الصفحات بسرعة عبر ماسحات ضوئية صناعية، مما يمنع إعادتها لحالتها الأصلية" وهذا المشروع بحد ذاته هو إعادة لكتابة التاريخ وفق اهواء معينة.
إن خطورة تزييف الوعي تكمن في أنه لا يفرض رأيا بالقوة، بل يصنع قناعة تبدو ذاتية، وهنا يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصنع، بين ما يخدم مصلحته وما يفرض عليه كخيار وحيد، وعندما يصاب الوعي بهذا الخلل تتراجع القيم الوطنية، لأن الانتماء يصبح هشا مبنيا على تصورات غير دقيقة، أو على مقارنات غير عادلة.
إن مواجهة هذا التزييف لا تكون بالرفض فقط أو الانغلاق، بل بإعادة بناء الوعي على أسس نقدية من قبل المثقفين وأحزاب اليسار، وفتح قنوات للتواصل مع الشباب المغيب تتيح تصحيح قراءة التاريخ بموضوعية، وفهم الحاضر بتعقيداته والانفتاح على المستقبل دون الوقوع في فخ التبسيط أو التضليل، فالوطنية الحقيقية لا تقوم على الشعارات بل على وعي حر، قادر على التمييز وعلى اختيار الطريق بإرادة مستقلة.