اخر الاخبار

منذ صدور دستور 2005 والمطالبات والمناشدات لم تكف عن المطالبة بسن قانون (مجلس الاتحاد) الجناح الثاني للسلطة التشريعية باعتباره النيابة الجغرافية المتساوية. وللغرض المذكور عقدت الندوات واللقاءات والاجتماعات وورش العمل وسواها ومحصلة ذلك صدور توصيات من جهات أكاديمية وسياسية وصحفية ومنظمات مجتمع مدني ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. الجانب الأكاديمي المطالب بسن القانون رسم رؤاه ومقترحه للمجلس المنتظر بموضوعين الأول - الرؤية الهيكلية والثاني – اختصاصاته. خلف هذا الحراك كانت المواطنة وحسن النوايا تقف وراء هذا النشاط المثابر النازع نحو سد العوز التشريعي في أحكام السلطة التشريعية بغية الاسرع في البناء المؤسسي للدولة أولا وحضور المحافظات كصاحبة قرار تحت قبة المجلس التشريعي ثانيا. معلوم لأن ديوان رئاسة الجمهورية - ومنذ وقت ليس بالقريب - قد أرسل مسودة مشروع قانون مجلس الاتحاد إلى رئاسة مجلس النواب ولكن الحال بقي مثل ما كان عليه.

الوقوف احتراما لهذا الجهد المنحاز للوطن، لكن المطالبة مع نبل النوايا لا تفضي إلى سن قانونه بسبب العوار والخلل البنيوي في النص الدستوري ذاته (المادة 65 من الدستور)  والذي  جرد (مجلس الاتحاد) من اختصاصاته كافة وأقصته عن العملية التشريعية أي عدم وجود أية قاعدة دستورية تشير إلى البناء الهيكلية او الصلاحيات نبين ذلك على الوجه التالي:

اولا – أحال الدستور كافة اختصاصات السلطة التشريعية الواردة في الفصل الأول من الباب الثالث إلى مجلس النواب فقط. ولم يترك لمجلس الاتحاد أي اختصاص ( المواد 61 إلى نهاية المادة 65). هذا سلوك تشريعي غريب من قبل المشرع الدستوري العراقي يخالف المبادئ العامة المعتمدة من قبل الدول الفدرالية المتبنية للجناحين فقد عطل الوظيفة الدستورية لمجلس الاتحاد. وغرابته كانت محل تعقيب لفقيه القانون الراحل الدكتور حسن الجلبي إذ قال : ( واضع الدستور وقد أخذ بنظام الدولة الفدرالية وكما يتبين من مواد الدستور أنه أخذ بنظام المجلسين الأول لتمثيل الشعب العراقي والثاني في تمثيل الوحدات المكونة للدولة الاتحادية وكان على المشرع العراقي الا يكتفي بمجرد ذكر مجلس الاتحاد في المادة (48) وبمجرد بيان تمثيله للأقاليم والمحافظات ويحيل تكوينه وشروط العضوية فيه واختصاصاته وكل ما يتعلق به على قانون يسن لهذا الغرض خلافا لما فعل لمجلس النواب الذي عقد له فرعا خاصا في الفصل الأول من الباب الثالث من الدستور يفصّل تكوينه وسير عمله ودورات انعقاده واختصاصاته وحلّه وما إلى ذلك من الشؤون المتعلقة بهذا المجلس).

ثانيا – النص الدستوري المؤسس لمجلس الاتحاد ينص على: (يتم انشاء مجلس تشريعي يدعى بـ"مجلس الاتحاد" يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم، وينظم تكوينه، وشروط العضوية، واختصاصاته، وكل ما يتعلق به، بقانون يسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب) (المادة 65). هذا يعني ان المرجعية التشريعية لمجلس الاتحاد هي القاعدة القانونية التي سوف يسنها مجلس النواب، في حين أن المرجعية التشريعية لمجلس النواب هي القاعدة الدستورية، ولما كانت التراتبية التشريعية تعطي للنص الدستوري علوية على النص القانوني فهذا يعني ان لمجلس النواب علوية على مجلس الاتحاد وهذه تعد مخالفة لوظيفة مجلس الاتحاد التي تخوله الدساتير الفدرالية حق الاعتراض على القوانين التي يسنها مجلس النواب. كما انه يخالف نص المادة (48) منه.

ثالثا – في القانون المقترح الذي يسنه مجلس النواب بأغلبية الثلثين لا بد ان يتضمن الهيكلية التأسيسية المطلوبة له أولا وتقاسم الاختصاصات ثانيا. فمن حيث الاختصاصات فقد غابت النصوص الدستورية المشرعنة لاختصاصات مجلس الاتحاد وخرج للنور من دون أي اختصاص دستوري لكون المشرع الدستوري قد أغدق جميع اختصاصات السلطة التشريعية إلى مجلس النواب الذي تمسك بها بقوة باعتبارها استحقاقا دستوريا غير قابل للتنازل كلا او جزءا. هذا النص المجزي لمجلس النواب جعله في منأى في مزاحمة مجلس الاتحاد له ولا منازع له في علويته الدستورية. وأي قانون يصدره مجلس النواب في هذا الصدد يثبت فيه هيمنته وسلطته التشريعية ولا يمكن والحالة هذه ان نفترض ثمة حالة كرم تتلبس مجلس النواب لسن قانون يرتقي فيه مجلس الاتحاد إلى مركزه القانوني، لا بل أن مجلس النواب اذا ما شعر بالمزاحمة او المضايقة فانه لن يتأخر في إلغاء القانون المؤسس له به وبذات الاغلبية.

رابعا – المادة ( 137) من الدستور نصت على تأجيل العمل بأحكام المواد الخاصة بمجلس الاتحاد أينما وردت في الدستور إلى حين صدور قرار من مجلس النواب بأغلبية الثلثين بعد دورته الانتخابية الاولى التي يعقدها بعد نفاذ هذا الدستور. تدخلت المحكمة الاتحادية العليا في هذا الموضوع وأصدرت قرارها المرقم 72 / اتحادية / 2012 في 1/ 1/ 2012 المتضمن: (المقصود بالمادة 137 من الدستور هو توجه مجلس النواب في بيان يصدره بإعداد قانون مجلس الاتحاد الذي يصبح إنشاؤه لازما تطبيقا لأحكام المادة 137 المشار اليها والقرار او البيان الصادر عن مجلس النواب يكون بأغلبية الثلثين.. يدعو السلطتين التنفيذية والقضائية والمنظمات والمعنيين بإعداد الأفكار والتصورات التي تخص مجلس الاتحاد بكل ابعاده ومرميه في ضوء ما ورد في المبادئ الاساسية للدستور..). ولم يصل إلى علمنا أن مجلس النواب قد أصدر بيانا او قرارا بأغلبية الثلثين في هذا الموضوع.

خامسا– المشرع الدستوري شعر بالخلل البنيوي في أكثر من موقع من الدستور وعلى وجه الخصوص العوز النصي لـ(مجلس الاتحاد) فنص في المادة ( 142) منه على تشكيل لجنة من أعضائه لوضع توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن اجراؤها على الدستور. فكان لها ذلك وقدمت توصياتها سنة 2009 إلى مجلس النواب ومن ضمنها التعديلات المطلوبة على مجلس الاتحاد الذي تضمنت اختصاصاته المبينة في المسودة وهي: تقديم مقترحات القوانين. والنظر في مشروعات القوانين المقدمة اليه المحالة عليه من مجلس النواب وله حق الاعتراض على مشروع القانون بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه وأن يساهم في تعيين الدرجات الهامة في الدولة ومن اختصاصاته ضمان حقوق الاقاليم والمحافظات غير المنضمة في إقليم. ومراقبة الواردات الاتحادية. والتحقق من الاستعمال الأمثل للموارد المالية الاتحادية وغير ذلك من الاختصاصات الاخرى مع الاستفاضة في البناء والهيكلية لمجلس الاتحاد.

الخلاصة – لا مساغ قانوني للمطالبة بسن قانون مجلس الاتحاد الا بعد التعديل الدستوري المنشود.