لم تكن المرأة في انتفاضة تشرين عام 2019 مجرد متضامنة مع المحتجين أو شاهدة على أحداثها، بل كانت جزءًا أساسيًا من حراك شعبي واسع خرج للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ورفض المحاصصة والفساد والبطالة وتردي الخدمات. ومن ساحات الاحتجاج إلى المستشفيات ومواقع التظاهر، كسرت النساء الحواجز الاجتماعية والسياسية، وأكدن أن معركة التغيير لا يمكن أن تكتمل من دون مشاركتهن الفاعلة.جاءت الانتفاضة في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، تفاقمت معها معاناة النساء، ولا سيما العاطلات عن العمل والخريجات اللواتي اصطدمن بواقع لا يوفر لهن فرصًا عادلة. وبينما كانت البطالة وانعدام الخدمات وضعف الحماية الاجتماعية من أبرز أسباب الغضب الشعبي، حملت النساء إلى الساحات مطالبهن الخاصة أيضا، وفي مقدمتها المساواة وتكافؤ الفرص ومواجهة التمييز والعنف، إلى جانب المطالب الوطنية التي وحدت المحتجين.
من المشاركة إلى صناعة الحدث
منذ الأيام الأولى لانتفاضة تشرين، برزت المرأة في ساحات بغداد والمحافظات الجنوبية والوسطى، مشاركة في التظاهرات والاعتصامات، ومساهمة في تنظيم الحياة اليومية للمحتجين. ولم يقتصر حضورها على رفع الشعارات وترديد الهتافات، بل امتد إلى تقديم الإسعافات للجرحى، وإعداد الطعام، وجمع التبرعات، وتوفير المستلزمات الضرورية لاستمرار الاعتصامات.
تحولت ساحات الاحتجاج إلى فضاءات للتضامن والعمل الجماعي، التقت فيها نساء من خلفيات اجتماعية وطبقية مختلفة، جمعتهن الرغبة في بناء وطن يوفر لمواطنيه حياة كريمة. وشاركت الطالبات والخريجات والعاملات والناشطات، إلى جانب أمهات وشابات قررن مغادرة المساحات التقليدية المفروضة عليهن، والانخراط في فعل سياسي واجتماعي مباشر. وكان هذا الحضور تعبيرًا عن وعي متزايد بأن الأزمات التي يعيشها العراق لا يمكن فصلها عن أوضاع النساء، وأن الفساد وسوء توزيع الثروة وغياب فرص العمل والخدمات الأساسية تدفع النساء إلى تحمل أعباء مضاعفة، سواء داخل الأسرة أو في سوق العمل.
في مواجهة القمع والتشهير
لم يكن الطريق أمام النساء سهلا، فقد واجهن، إلى جانب مخاطر العنف والقمع التي تعرض لها المتظاهرون، حملات تشهير وتنميط اجتماعي استهدفت التقليل من مشاركتهن والطعن في دوافعها. واستخدمت بعض الخطابات المحافظة نظرة تقليدية إلى دور المرأة لتقييد وجودها في المجال العام، وتصوير مشاركتها في الاحتجاج باعتبارها خروجا على الأعراف.
لكن هذه المحاولات لم تنجح في تغييب النساء عن المشهد. فقد أظهرت مشاركتهن أن الحق في الاحتجاج والتعبير عن الرأي لا يتعارض مع كرامة المرأة أو دورها الاجتماعي، بل يمثل امتدادا لحقها في تقرير مستقبلها والمساهمة في رسم مستقبل بلدها. كما كشفت الانتفاضة عن التناقض بين الشعارات التي رفعتها بعض القوى السياسية بشأن تمثيل النساء، وبين واقع التمييز الذي تعانيه المرأة في الحياة اليومية. فوجود النساء في المؤسسات الرسمية، بحد ذاته، لا يضمن تحقيق المساواة ما لم يقترن بسياسات فعلية تحمي حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
العدالة الاجتماعية شرط لتحرير المرأة
أعادت تشرين التأكيد على أن قضية المرأة ليست قضية منفصلة عن الصراع من أجل العدالة الاجتماعية. فالمرأة العاملة التي تعاني تدني الأجور وانعدام الضمانات، والخريجة التي تنتظر فرصة عمل، والمرأة التي تتحمل وحدها أعباء إعالة أسرتها، جميعهن يتأثرن بطبيعة النظام الاقتصادي والسياسات الحكومية ومدى عدالة توزيع الثروة. ومن هنا، فإن استعادة روح تشرين تقتضي وضع حقوق النساء ضمن مشروع وطني للتغيير، يقوم على توفير فرص العمل اللائق، وضمان الأجور العادلة، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي، وحماية النساء من العنف والتحرش والتمييز في أماكن العمل، وتطوير الخدمات العامة، ولا سيما التعليم والصحة والسكن. كذلك تتطلب هذه المهمة تعزيز مشاركة النساء في النقابات والاتحادات والمنظمات المدنية والحركات السياسية، بما يتيح لهن الدفاع عن مصالحهن والمساهمة في صنع القرار، بعيدًا عن التمثيل الشكلي الذي لا يغير واقع التهميش.
تشرين ذاكرة مفتوحة على المستقبل
لم تكن انتفاضة تشرين حدثا عابرا في تاريخ العراق الحديث، بل شكلت محطة مهمة في تطور الوعي الشعبي، وأثبتت أن النساء قادرات على تجاوز القيود الاجتماعية والمشاركة في النضال من أجل التغيير. وقد ترك حضورهن أثرا في الذاكرة الجمعية للاحتجاج، بوصفهن شريكات في التضحية والمواجهة وصناعة الأمل. ومع استمرار الأزمات التي دفعت العراقيين إلى الشوارع، تبقى مطالب النساء جزءا لا يتجزأ من مطالب الانتفاضة. فلا ديمقراطية حقيقية مع التمييز، ولا عدالة اجتماعية من دون ضمان الحقوق الاقتصادية للنساء، ولا تغيير وطني مكتمل ما دامت نصف طاقات المجتمع تواجه الإقصاء والتهميش.