تمر هذه الأيام الذكرى التاسعة والستون على إعدام قادة انتفاضة مدينة الحي الباسلة في كانون الأول من عام ١٩٥٦، انها جريمة أخرى تضاف إلى سجل النظام الملكي المقبور لكونها ثاني عملية جريمة إعدام بحق المناضلين الشيوعيين العراقيين، الجريمة الأولى كانت في شباط عام 1949 حينما أقدمت السلطات الملكية على إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد) وحسين محمد الشبيبي (صارم) ومحمد زكي بسيم (حازم).
ينحدر الشهيدان من العوائل الكادحة المعروفة من مدينة الحي، الشيخ حمود والد الشهيد علي يكسب رزقه من خلال إحيائه مراسيم العزاء على الإمام الحسين عليه السلام (روزخون)، وأما المرحوم مهدي الدباس رجل ملتزم دينيِا وصاحب خان. لعب الشهيدان البطلان مع سائر الرفاق من أبناء المدينة دورا هاما في نشر الوعي بين الطلبة وشباب المدينة واستقطابهم، أن انتفاضة مدينة الحي لم تكن حدثا عابرا، وإنما نتيجة لتراكمات النضال الوطني في شتى المجالات ضد نظام الحكم الملكي شبه الإقطاعي، وقت ذاك.
وان النضال الوطني في ذلك الظرف يحصل بوسائل وأدوات متعددة من أجل نشر الوعي الوطني والسياسي عند الجماهير التي كانت مع دولة المانيا لا حبا بنظام هتلر وانما بغضا للحكومة البريطانية التي هيمنت على نظام الحكم في العراق ، وعند انتصار الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية وقيام منظومة الدول الاشتراكية وانتشار الأفكار الاشتراكية والتقدمية في معظم بلدان العالم وكان للشعب العراقي متسع في متابعة الأهداف السامية التي تعمل من أجلها منظومة الدول الاشتراكية ، كما كان لأبناء مدينة الحي من الطلبة والشباب انعطافهم نحو تبني تلك الأفكار التي لعب فيها الشهيد علي الشيخ حمود دورا بارزا من خلال مكتبته الصغيرة بمساحتها ولكنها كبيرة بما تحويه من الكتب ذات المضامين السياسية اليسارية والثقافية مستخدما نظام الاستعارة ، وقد برز اسمه في الأوساط الاجتماعية وخصوصا في تصدر التظاهرات الجماهيرية التي كانت تنطلق في مدينة الحي بشكل مستمر ، واما رفيقه الشهيد عطا الدباس قد فصل من الثانوية الجعفرية ، بسبب نشاطه بين أوساط الطلبة لصالح اتحاد الطلبة العام مما جعله يفتح مقهى وهي بمثابة مقر لتواجد بعض الشباب ، تنطلق منها بعض التوجيهات الحزبية، وساهم في بذل الجهود مع بعض الرفاق في دعم وتنشيط الحركة الرياضية في المدينة من خلال تشكيل الفرق الرياضية .
السلطة القائمة كانت تريد الخلاص من بعض الرموز التي تتبنى وسائل العمل ضدها في كل مناسبة خصوصا الشهداء علي الشيخ حمود وعطا الدباس والشهيد عبد الرضا الحاج هويش الذي يستثمره هؤلاء الشباب حتى في التعازي والمواكب الحسينية، وكانت فرصتها المواتية في كانون الأول من عام 1956 حينما اشتد نضال أبناء المدينة ضد سلطات نظام الحكم وخصوصا الموقف المتفرج من العدوان الثلاثي على الشعب المصري الشقيق.
حيث هبت جماهير مدينة الحي لنصرة الشعب المصري، فأقدمت السلطات على استقدام قوات من الشرطة السيارة مدججة بشتى أنواع الأسلحة وحصلت مواجهات بين القوة المهاجمة وأبناء المدينة وتم استباحة المدينة واحتلالها، وقد اعتقل العديد من أبناء المدينة وخصوصا من الطلبة والشباب، ومن جملة الذين تم اعتقالهم الشهيدان علي الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس، واما الشخص الثالث المطلوب الشهيد عبد الرضا الحاج هويش فتمكن من مغادرة المدينة.
وفي محاكمات صورية جرت في إحدى مدارس لواء الكوت تندر بها من شاهدها اذ حكمت بالإعدام شنقا حتى الموت على البطلين علي الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس ونفس الحكم غيابيا على الشهيد عبد الرضا الحاج هويش.
امتاز الشهيدان بالشجاعة والإيمان المطلق بعدالة القضية التي ناضلا من أجلها عندما رفضا اعطاء البراءة سيئة الصيت من الحزب الشيوعي مقابل تخفيف حكم الإعدام عنهم نتيجة بعض الوساطات.
وفي فجر يوم العاشر من كانون الثاني عام 1957 تم تنفيذ جريمة حكم الإعدام بحق البطلين، ذلك اليوم الذي وقف فيه البطلان رافعي الرأس بكل شموخ تحديا لغطرسة الجلادين، وعندها وقف الشهيد البطل علي أبو كفاح مودعا أبناء مدينته بأعلى صوته (منشدا هذه الابيات الشعرية: الشعب ما مات يوما فانه لن يموتا) وطالبا من والدته وزوجته الاهتمام ورعاية أفراد العائلة المتبقين من أطفاله وتسمية وليدها ان كان ذكرا باسم عطا وفاء لإحياء اسم رفيق دربه.
المجد والخلود للشهيدين علي الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس في الذكرى التاسعة والستين لإعدامهما
المجد والخلود لذكراهما العطرة