اخر الاخبار

مع احتفالات اليوم الدولي للمرأة، تظهر إحصاءات كاشفة عن مزيد تراجع في أوضاع المرأة العراقية؛ مسجِّلة مزيد معضلات وأحمال تستهدفها قبل أية فئة أخرى في المجتمع أو تبرز بصورة أكثر وضوحا وتعقيدا بقدر تعلقها بالمرأة.

ولقد شهد العام المنصرم استمرار تلك الحال من ظروف تحكّم منظومة قيمية مسيئة للنساء وموقعهن ولمبدأ مساواتهن على وفق اللوائح الحقوقية وهو ما يجري اجتراره بمسمى (التقاليد) وسيادة منظومات مجتمعية تنتمي لتشكيلات ما قبل الدولة الحديثة وقيم المعاصرة والتمدن حيث الاستدارة نحو عقلية مجتمعات التخلف وماضوية قيمها وتركيبتها القائمة على استدعاء أسوأ ما في خطاب العشائرية القبلية والطائفية أو الدين السياسي وخطابه الظلامي المتقاطع حتى مع أصول المعتقد وسلامته بسبب استنطاقه قوانين التشكيلات الاقتصا اجتماعية الاقطاعية ودويلات الطوائف ونهجها الظلامي الأكثر تشوها وتزمتا وتطرفا..

ومن هنا جابهت المرأة العراقية ظروفا قاسية إذ تعرضت للاختطاف وأشكال التحرش والتعرض أو الانتهاك والاعتداء ميدانيا وفي الفضاء الرقمي. ما وضعها موضع تقييدها ووضع الأغلال والأصفاد بالتعارض مع حقوقها في الانعتاق والتحرر بالاستناد لمستويات الوعي الذي اكتسبته عبر خبرات وتفاصيل اليوم العادي والصراعات المجتمعية التي انكشفت عن جرائم اختطاف واغتصاب وتصفيات جسدية أو اغتيال جرى الطمطمة عليها والتستر على مرتكبيها لمجرد أنهم يحتلون مواقع المسؤولية وتصدر المشهد العام وإدارة المؤسسات المعنية وأذكر ببشاعة تصفية المرأة البصرية الشجاعة التي كافحت ضد أعتى ما أحاط بقضيتها لكنها اختفت هي والقضية ولم تعد حتى حملات الدفاع عنها تظهر بأي وسيلة عامة!

وحتى اختراق البنية المؤسسية ودخول أعلى تلك المؤسسات لم يأت استجابة للناشطات والفاعلات وقدرتهن على ملء مواقع المسؤولية بل تم تسليم تلك المناصب والكراسي لتشكيلة (الكوتا) ما يعكس سلبية وجود العناصر التابعة للذكورية ولمنظومة التخلف الظلامية وخطابها وتلبيتها مآرب مرضية تعادي مصالح المرأة وتطلعاتها إلا ما ندر من الأصوات التي تحاول ولكنها بلا صدى بسبب تفريغها من الصلاحية والفاعلية وإحاطتها بالكم العددي المتعارض والحقوق والحريات ومنطق العمل البناء..

وفي ضوء هذا الواقع شهد واقع النساء العراقيات تراجعا آخر بازدياد كبير وتفاقم لنسب العنف العام والعنف الأسري وصحيح أن نسبة صغيرة وهامشية من الرجال تعرضوا للعنف الأسري إلا أن الظاهرة وقعت في إطار حجم الكارثة التي تتعرض لها النسوة العراقيات من عنف بكل أشكاله سواء البدني الجسدي الذي يصل حد التعذيب وفظاعاته والقتل بمختلف المسميات ومنها مسمى (جرائم الشرف) وهي جرائم عار توجب العقوبات الأكثر تشددا وليس التخفيف وغض النظر أو تجاوز الجريمة بذرائع وحجج لا تصمد أمام موقف إنساني أيا كان..

وإذا كان الصوت الإعلامي وحملات التعبئة والتوعية لها أدوارها الفاعلة المهمة فإن ما برز إعلاميا هو منح المنصة لأصوات تتوافق مع الخطاب العام للفكر الديني المتشدد والقيم المحافظة ولكل ما يسيء للنسوة حتى عند بعض أعلام شهيرات بسبب التسويق لهن بمرجعيات (الترند) ومنظومته القيمية السلبية وخطابه الهابط أو لتقديم أصوات بمواقع إعلامية متقدمة لكنها أصوات نسوية تتعارض ومطالب النساء وتطلعاتهن لكسب معركة ولوج الحياة العامة وانعتاق الحياة الخاصة على وفق اللوائح الحقوقية الأممية.

وتتراجع بيئة النسوة بخلفية أبعد من منظومة القيم المتفشية مرضيا بالاستناد إلى المشكلات الهيكلية البنيوية للاقتصاد العراقي حيث لا مساواة في الحصول على العمل وفي المرتبات والأجور وشروط التشغيل والتوظيف وفي تهيئة النسوة للوظائف العامة بسبب قصور التعليم عن أداء مهامه بالتساوي وبسبب تخلفه أيضا سواء في الإعداد التقني الفني أم في خطابه الفكري وتخلف محتوياته ومحمولاتها.. والأخطر هنا أن اتساع ظاهرة الفقر والبطالة تنال من المرأة بصورة مضاعفة مركبة ومعقدة النتائج بخاصة هنا في فئات المعيلات والأرامل والمطلقات والعازبات ولكل فئة ما تجابهه من متفاقم الأمور والأحمال..

إن مثل ذلك التراكم المتصاعد في استغلاله والمتراجع المنحدر بمستويات الأنسنة ومبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية يحيل المرأة إلى كائن سلبيي محاصر مكبلا بالأغلال والاحباطات والانكسارات ويمنع عنها فرص المساهمة في الحياة العامة والخاصة بخلفية الانطواء الإجباري القسري..

وأشدد هنا على ظواهر المعاناة لا الصحية البدنية ومطالبها من الحاجات النسوية الخاصة بل وتلك المعاناة الأشد وطأة ألا وهي المتحدرة من المشكلات المفتوحة على الغارب في المعطيات النفسية الذهنية وتعقيداتها على الرغم من كل محاولات التحدي والنهوض من الكبوة.. ولعل ذلك ما يذكرنا بانعكاساته على أوضاع العائلة وظروفها بخاصة في العيش اليومي وفي تربية الأبناء وما يمكننا التحدث عنه بتفاصيل هذي المحاور عبر دراسات مهمة وكبيرة..

لكن الدرس الأقسى وقع بالتراجع عن قانون الأحوال الشخصية والانحطاط بالمشهد الحاكم عبر مدونة شفهية وأخرى مكتوبة باتت بعض العناصر المتفتحة محاصرة ومضطرة للتحدث عن قبول السيء تجنبا للأسوأ والأكثر انحطاطا وتخلفا.. إن التراجع بل التشويه للمنظومة القانونية بقصد فرض منظومة ظلامية شاملة بوقت لاحق هو لعبة تدركها تلك القوى التي تتحكم بالسلطة بذريعة أنها سلطة منتخبة والشعب يدرك معاني الانتخاب وضوابطه وما أفرزته وتفرزه من سلطة سواء شكلية بمسمى مجلس نواب أحزاب الطائفية أم بالإشارة إلى سلطات أخرى تتحكم فعليا وبصورة أوضح بالشأن العام مثل سلطة الميليشيات التابعة لأجندات إقليمية خارجية وهي عادة ظلامية تعادي الحقوق ولوائحها والحريات ومعانيها ومثل العنف القيمي عبر فروض التخلف والجهل ومعاييره في التعامل مع المرأة بوصفها دمية لكل ما هو دوني عند المنظومة الذكورية البائسة..

وبعد هذا وقبله فإن الاحتفال بعيد المرأة تنكأ جراحاته ظروف مأساوية قاسية تحياها المرأة العراة العراقية اليوم في ميادين الحياة كافة بدءا من الحاجات والمطالب في تفاصيل اليوم العادي وليس انتهاء بالقضايا العامة وبمستويات الوعي وثقافة التنوير والقدرة على الفعل عبر أسوأ محمولات في التعليم المدرسي والمهني المتخصص والجامعي العالي وفي الصحة وفي المسارات الحقوقية والقانونية وبميادين حياة الإنسان كافة بلا استثناء..

وإن الحديث عن التمكين وبناء شخصية المرأة في العراق سيبقى فعليا عمليا محظورا أو مزيفا fake إيهاميا بكل معطيات دَجَلِهِ وخزعبلات خرافاته وما عشعش ويعشعش في ظلام تفكيره وقيوده التي يفرضها للتمكن من استغلال نصف المجتمع مباشرة والمجتمع برمته بصورة مباشرة وغير مباشرة..

إن قضية المرأة تتطلب حملات نوعية مستمرة لا تنطفئ وتختفي مع الأيام وأحابيل الوعود والقشمريات المضحوك بها على بعضهم مع حملة             ضرورة إطلاق حملة وطنية شاملة للمساواة والعدالة الاجتماعية وتمكين المرأة وبناء شخصيتها علميا ثقافيا بأسس التنوير والمعاصرة والحداثة وبعيدا عن وجود عناصر التخلف وألاعيب مخاداعات تلك القوى.

فهل سيشهد العام 2026 فضحا لما اُرتُكِب بحق المرأة ويُرتكب يوميا وما تراكم من مشكلات معضلة مستفحلة بكل محمولات التخلف والابتزاز وأشكال الاستغلال؟ هذا ما ينبغي خلق منصة تنويرية تكون هذه الحملة عنوانا لإنهاء الماضويات التي تحاول إنهاء مسيرة التمدن التي كانت زمن حضارة هي مهد التراث الإنساني وما صاغته من قوانين لبابل وأكد وآشور وفي مراحل لاحقة لحضارة قدمت للبشرية ما نهضت به لكنها انتكست بوجود جذور للتخريب والتجهيل وإشاعة التخلف وأفكار الظلام والسوقية الذكورية المريضة

فلنعمل معا على تحقيق البديل واسترجاع قيم الحضارة التنويرية والتمدن ومبادئ المساواة والعدل ولتنعتق المرأة العراقية من قيودها وأغلا تكبلها منذ عقود سطوة منظومة الجهل والتخلف ومرجعياتها الفكرية وبناها الاقتصادية الاجتماعية الاستغلالية المريضة.