اخر الاخبار

ثمة احتمالان لتسميةِ أيِّ مجموعةٍ شعرية ، الأول هو اختيار العنوان ثم جمع القصائد ، والآخر هو جمع القصائد ثم وضع العنوان المناسب لها ، وما بين الاحتمالين أو الاختيارين ، يبرز هدف واحد وهو أن العنوان يجب أن يمثل الشاعر ، ويمثل مجموعته الشعرية ، ويربطها فيه حتى لو كان العنوان مأخوذاً من قصيدة في المجموعة .... وبعد فبين يدي مجموعة شعرية ، وسمها الشاعر وحيد يوسف بـــــ( حلاق إشبيلية ) وهو عنوان لأوبرا ألفها الموسيقار روسيني ، وقد كانت قبل ذلك مسرحية لبومارشيه ... تدور أحداثها حول قصة حب بين شاب وشابة يرغبان بالزواج من بعضهما ؛ إلا أن الوصي العجوز على هذه الفتاة ، يمنع هذا الزواج ، ويريد أن يتزوجها هو طمعاً في أموالها ... فيظهر حلاق إشبيلية ؛ ليفشل مخطط هذا الوصي ؛ فينتصر الحب في النهاية ، معلنا زواج الحبيبين ... إذن المجموعة تمثل انتصار الحب ... والحلاقة في اللغة قص الشعر ؛ بهدف التزيين أو التجميل ، لكن الشاعر يتجه نحو الاستعارة المكنية مستعيراً قص الحب ، بدلاً من الشعر ( أردتُ قصَّ حبَك وقلعَه / شعرةً شعرةً / نظرةً نظرةً / قبلةً قبلةً ) والإرادة هي الإصرار والعزيمة ؛ لقص هذا الحب ، بتقانة التوالي المتكرر ، شعرة بعد شعرة ، ونظرة بعد نظرة ، وقبلة بعد قبلة ، وأن هذا القص ، قد أحدث مفارقة النمو والتوالد والتجدد ففي حضرة الحب كل شيء ينمو حتى لو تم قصُهُ ؛ فيستدرك الشاعر بأداة الاستدراك لكن ، فيقول ( لكنني لم أعلم / بأن حبَّكِ / سيخلده التأريخ / وما أنا سوى عازفٍ هاوٍ / في سيمفونية حلاق إشبيلية ) فالحب تحول إلى غاية ، وهي الخلود وتحول الشاعر إلى عازف ؛ ليكون سادناً جمالياً لهذا الحب .... ثم يتجه الشاعر إلى فضاء الوجود الإنساني ؛ ليُعَرَّفَ الحبَّ فيقول ( الحبُ دمعةٌ تحتَ المطر / قد تضيعُ ملامحُها ) وهنا أجرى عملية توأمة وتشابه بين قطرات الدمع و قطرات المطر ، فيحدث ضياع التمييز بينهما ، لكنه برومانسيته الحالمة ، يعود ليفرق بين قطرة الدمع وقطرة المطر ، فيقول ( لكن ملوحتَها ستظل أبداً ) ... تتسم قصائدُ الشاعر وحيد يوسف بعذوبة الوضوح ، والعطش إلى الحب ، والتواصل الأبدي مع الحبيبة ، وجَعْلِ نفسهِ أسيراً لها ، فليس له القدرةُ من الانعتاق والتحرر من جمال عينيها ، ولكي يقنعنا بذلك ويوحي لنا بأنه أسيرٌ سجينٌ عند الحبيبة دون التصريح بذلك ، فوظف هذه المفارقة ( ما أجملَ عينيك !! / الرموش قضبان / أيتها السجانة ) ... وحيد يوسف يَخلِطُ نداءَ الروح بنداء الجسد عن طريق بعض النصوص الجريئة التي تسمى بـــــ(الإيرويسية) أو الغزل الحسي بمفاتن جسد الأنثى الصريحة ... ضمن مكاشفات مدهشة .... لكنها ليست عبثية ولا جنونية ، بل تتجه صوبَ مناجاة الأنثى ؛ بوصفها المنقذ والملاذ ، فهو كالمتصوف المنكفئ على أناه التي تعلو بلغة خطابية واضحة ، وكأنها صيحةُ تنبيه ، أناه التي تنعم بحلول ذات الحبيبة في ذاته ؛ فيكتمل وجدانه الذي يصدح ( أنا أحببتك ) ثم يعلل هذا الخطاب العالي البارز بضمير المتكلم المعترف بالحب فيقول ( لأنك نصفُ الروحِ / ونصفُ العقلِ / وكلُ القلبِ ) ..... يعتمد الشاعر على اللغة المعلنة ؛ من أجل القبض على كل ما هو إنساني ، ضمن أنساق بنيوية ، تتصل بعنوان المجموعة هذه ، فقد وظف اسمه ، وجعل منه قصيدةً بعنوان (وحيد) ... وحيد مع العالم ، لكنه كثير مع الحبيبة !! ( وإن كنتُ مع العالم أجمع وحيداً / فأنا كرمل البحر / معك يا حبيبتي ) فاستعمال التشبيه كرمل البحر ، بدلاً من كلمة فأنا كثير معك أو كثيرُ بك على سبيل المثال ، قد أعطى لهذه الكثرةِ معنىً غيرَ محدودٍ أو قل غيرَ معدودٍ ، ومن يستطيع أن يعد رمل البحر؟!. صور المجموعة جاءت متسمةً بالحيوية والمغايرة الجريئة والإيحاءات المكثفة ، التي تعتمد على المفارقة والتورية ، كما المفارقة في قصيدة ( لست ضعيفاً ) فهو ينفي ضعفه في العنوان ، لكنه يثبت ضعفه في القصيدة !! ( لستُ ضعيفاً / لكنني قلمٌ أسير بين أناملك الثلاثة / وهي تكتبُ نهايةَ حبنا / بالشكل الذي تريد ) ودليل هذا الضعف أمام الحبيبة استعمال التورية بحرفية عالية ، في كلمة ( أسير) المنونة تنوين ضم إذا أردنا( أسيرٌ بين أناملك الثلاثة ) التي تعني سجينٌ بين أصابعك ، وإذا لفظناها بالضم ( أسيرُ بين أناملك الثلاثة ) تدل عندها ؛ أمشي بين أصابعك ... لكن هذه الأصابع ، هي من تقرر النهاية لهذا الحب لا هو ؛ فقد أصبح ضعيفاً بين أصابعها بخلاف عنوان القصيدة ( لستُ ضعيفاً).

أجتهد فأقول : إن الشاعر المبدع وحيد يوسف يُخَزِّنُ انطباعاتِه الشعرية ؛ فتختمر فيكتبها قصائد حب حارة.