اخر الاخبار

بعوالم كثيفة المعنى، خضراء بلغتها ونديّة، متمنّعة تتبدى حيناً، وأحياناً توشك أن تكون معتمة ومتلفّعة بغموض خفيف، تظهرُ للقارئ الملاحظ ما تقدمه التجربة السردية للأستاذ وحيد غانم، وما أنجزه من قصص وروايات منذ بدياته الأولى وحتى الآن. هذا القاص والروائي المبدع المتجنب للأضواء والزاهد في الشهرة يقدم قصّاً وحكايات لها نسيجها الخاص وبصمته عليها، تترك بمذاقها العالي شعوراً ممتعاً وإعلاناً بأنها نتاج مطبخ أعدت أطباقه على نار هادئة، فجاءت كما أراد لها وجذب قارئه إليها، وهو في مشغله مسترخ مستريح لا يهمه ما يشتغل به المتشابهون الاستنساخيون، وغير آبه بما هو سائد من مضامين وأشكال.

لكنك لن تفي وحيداً حقه من التقييم، ولن تفهمه إن لم تعد إلى أوائله، وفي مقدمتها مشاركته اليتيمة في جماعة (البصرة أواخر القرن العشرين).

سنة1991 تمّت طباعة العدد الأول من (إصدارات) وبعد شهرين أو ثلاث من إخماد الانتفاضة الشعبانية الآذارية بالقوة والنار والخراب حيث كانت مشاهد جثامين الضحايا أو أشلاء ممزقة منها في بعض مناطق البصرة مرمية هنا وهناك، وكان الناس يتجنّبون التقرّب منها خشية اتهامهم أو قتلهم مباشرة، في تلك الأجواء المخيفة والمشحونة بالرعب والقتل والتوتر، توافق خمسة من أدباء البصرة الشباب على التمرّد قصصيّاً، وأصدروا في شهر تموز من تلك السنة السوداء مطبوعهم الأول بطريقة الاستنساخ، من دون موافقة الرقابة !، ومن دون دعم مالي أو تمويل من أحد !، ومن دون أي مدح أو مجاملة للنظام ومؤسساته بل العكس!، وكان  وحيد غانم أحد هؤلاء الخمسة، وكانت قصته بعنوان عدّها غريب على الذائقة الراكدة ومتميّز ( حاضنة 1914) وقد قيّم هذه القصة في حينها أستاذنا محمد خضير واعتبرها الأفضل فنيّاً من بين القصص أو النصوص الخمسة.

جماليات السرد والوصف في تلك القصة وتقييم النقّاد البصريين، لفت الأنظار إلى وحيد غانم وموهبته القصصية، ولعل هذا فرض عليه مسؤولية الالتزام بتقديم ما هو متميز قصصياً، مما قلل من فرص النشر عنده، وهي في الأصل قليلة لأمثاله ممن لم يمنحوا أقلامهم للسلطة وغواياتها، بل إن وحيد كان بعد سنوات أحد قلة لا يتجاوز عددهم العشرة من أدباء البصرة الشباب وغير المعروفين نسبياً، الذين امتنعوا بهدوء غير مثير لانتباه السلطة عن تسلّم الراتب (الذي أمر به عدي ابن الدكتاتور لكل الأدباء).

استمر وحيد بالكتابة بترو وهدوء كما هو معروف عن مدرسة السرد في البصرة التي امتازت عن مدرسة بغداد وغيرها بالطبخ القصصي على نار سرد هادئة. وهذا ما يعرفه عنه أصدقاؤه المقربون، وقد أطلعني شخصيا في لقاءات عديدة جمعتنا آنذاك على فصول من روايات ونصوص كان يكتبها.

لقد كان اهتمام وحيد بالكتابة الروائية متقدما زمنياً علينا نحن أبناء جيله الذين انغمسنا بالكتابة القصصية شأن الغالبية الغالبة من كتاب العراق.

ولكن لظروف النشر وغيرها من ظروف وأسباب لم ينشر وحيد روايته الأولى إلا عام 2014 وكانت بعنوان "المراسيم القديمة" وقد أعاد نشرها فيما بعد وبنسخة روائية مطورة سنة 2002 بعنوان (أعياد الخفاش). ولا يعني هذا أن هناك انقطاعاً عن الكتابة لا في التسعينات ولا بعدها كما ذكرت، إنما هي حواجز حالت دون نشر ما كتب، ويؤيد هذا ما قاله وحيد غانم في حوار معه أجراه الأستاذ نجاح الجبيلي:

(س - شهدتْ كتابتك في العامين الماضيين دفقاً إبداعياً كبيراً إذ أصدرتَ مجموعة قصصية وروايتين إضافة إلى إعادة طبع كتبك السابقة، ماذا سيكون مشروعك القادم؟

ج - شكرا على هذا الثناء. يصيبنا هذا السهم اللاذع أحيانا. على وجه الخصوص عندما تتوفّر فرصة طيّبة بعيدًا عن “عواصف الحياة” كما قال ميشيما، وظروف نشر رصينة. لكني لم أفعل شيئا سوى إعادة بعض المسوّدات للحياة، ومنها الرواية التي سأباشر تأليفها. أرجو أن تكون أصغر حجمًا من مسوّدتها فهي عن الحبّ.)

 والثيمة الأساس للرواية (المراسيم القديمة أو أعياد الخفاش) يتعلق ببقايا جثث بشرية من مخلفات حروب سابقة تم الاحتفاظ بها في مستودع صحراوي غرب البصرة، وتتخلل أحداثها تجاذبات الموت ممثلة بالجثث وحارسها والحياة ممثلة بامرأة تحاول اجتذاب ذاك الحارس من انغماسه في عالم الموت المرعب.

وقبل طبعة (أعياد الخفاش) صدرت عن دار الجمل 2016 روايته الثانية ( الحلو الهارب إلى مصيره) وإذا كانت أعياد الخفاش أو المراسيم القديمة تتناول ذلك الإرث المظلم الدموي من الحقبة الماضية فإن الحلو الهارب تسجل برمزية عالية ووعي بالاشتغال السردي وموجهاته الفنية التي تشير إلى الواقع ولا تنغمس في الفكر السلبي والايديولوجيا المرضية، تسجل فنيّاً تلك القاع المريضة من المجتمع وبمختلف مستوياتها، وفيها يرسم لنا وحيد الواقع الجديد لمكان الرواية/ العراق؛ وزمانها: الاحتلال الأمريكي 2003، ويتفنن بتصويره عبر الانطلاق من أحداث وحكايات بسيطة تنمو لتتسيّد كامل اللوحة، مازجاً مرة أخرى بين الموت والحياة في جدلية سردية متميزة، وفي كلتا الروايتين ( أعياد الخفاش) وأبطالها المُستلبون بالقتل والنهش والتعفن، و(الحلو الهارب إلى مصيره)، أو الغارق فيه رغما عنه، نجد الاستلاب العراقي وهيمنة الآخر على إنسانيته سواء كان محليا في أعياد الخفاش أو خارجياً كما في الحلو الهارب إلى مصيره.

وبعيداً عن هذا التكامل بين الروايتين فإن وحيد حقق في روايته (الحلو الهارب إلى مصيره) قفزة نوعية على صعيد تجربته السردية على مستوى رسم الشخصيات وبمعالجة التقنيات السردية، قفزة جعلته من ضمن كتاب المقدمة من الروائيين الذين اهتموا بمراودة السؤال المهيمن، لماذا نكتب وكيف نكتب؟ فوازن بين الاهتمام بالكيفية والشكل الفني للبناء السردي، وبين الارتقاء بالمضمون، وقد مزج وحيد ذلك بالمراوحة بين البساطة الفنية والغموض المركب في الجمل والصياغات اللغوية.

وأدام وحيد تلك الوتيرة السردية بروايته اللاحقة (الأميرة في رحلة طائر العقل) وفيها عمد إلى قيادة السرد تجاه لغة غنوصية مغطاة بطبقات رقيقة من الضباب اللغوي إن صح المصطلح، ليحاكي موضوع الرواية الرئيس وهو تجليات العقل اليقظ والمخدر في آن وشطحاته نحو البهائية ممثلا بشخصية الأميرة خزال أو ثريا إفلاطوني، هذه الاستدارة في مساره الروائي من محاكمة الماضي المظلم - ما قبل 2003 - بروايته (المراسيم القديمة/ أعياد الخفاش) ومحاكمة الحاضر المشوّه بروايته ( الحلو الهارب إلى مصيره) إلى محطة جديدة يمكننا اعتبارها انحيازا للتمرد والخروج على النسق المهيمن، وبعيداً عن هذا التوصيف الفكري فإن السرد عند وحيد في ( الأميرة في رحلة طائر العقل) يمثل امتداداً تصاعدياً على المستوى الفني، إن رسم شخصيات مثل الباغدي والأميرة ورضا الظالم ورحلة السجناء وغيرها تعزز من مكانة الروائي وحيد غانم وقدراته الفنية العالية في السرد البارع.

وبصدور (حفلة الصيد الأخيرة) عن (منشورات غاف- دبي) يتوّج وحيد غانم تجربته بقمّة جديدة عن ميدان آخر من الهامشي والمحظور والمسكوت عنه في الواقع العراقي الحاضر والماضي القريب، متشبثا وبإصرار بتجنب الخيارات السهلة والموضوعات المسطحة والمتوفرة بين أيدي الجميع في عوالم السرد، وفي هذه الرواية ( حفلة الصيد الأخيرة) وكل ما كتبه قبلها نجد الهامش حاضراً ومحتلاً للمتن، كما لو أن كل أحلام الكتابة عنده تتجسد بإضاءة الهامش ليسطع ويتوهج على حساب المتن المهيمن، ويزيحه عن صدارة المشهد ولو تمكن لحذفه من المشاهد كلها ومحاه.

وفي عام 2023 صدرت المجموعة القصصية الأولى لوحيد غانم بعنوان (أيام فاقد الحب) ، والتي كانت مشروع رواية مؤجل بالأصل كما صرح المؤلف بذلك، وقدمت قصصها نماذج مختلفة ومغايرة، منها ما هو عائم من دون مكان وزمان محددين، ومنها ما كانت شخصياته مبهمة وغير واضحة المعالم كما لو كانت أشباحاً، بينما تميزت نماذج أخرى بالواقعية المطعّمة بالفنتازيا؛ لكنها جميعاً تتحرك بمضامينها ضمن أُطرٍ عامة؛ وكمثال فإن في قصة (مسخي) تشتغل الثنائية التقليدية المتضادة، ثنائية النور والظلام، أو الجمال والقبح، إذ يسعى الآخرون (فاقدو الرجاء) كما يقول الراوي: تتملّكهم رغبة بانتزاع هالة حسني التي تفتنهم ولا يطيقون وجودها) ، وأولئك ذاتهم يبصقون عليه مع أنه يحبهم ويتنامى بهاؤه، وتأخذك عوالم القص التي يرسمها وحيد إلى مزيج غريب من الخيال والواقع والفنتازيا وتجنّب الزمان والأمكنة الواقعية لتكون الثمرة الأخيرة مسخاً لم ير الراوي أبشع منه. هذا التناقض أو التضاد يظلل مساحة القصص جميعاً ومن خلال تفاعلاتها يقدم وحيد غانم تجربة قصصية خاصة به؛ عززها بصدور مجموعته القصصية الثانية (المستحمّات في حجرة الموتى).

( المستحمّات في حجرة الموتى).

ضمّت المجموعة ( الصادرة عن منشورات غاف – دبي – 2025 ) خمسة عشر قصة قصيرة متفاوتة المساحة أقصرها من خمس صفحات كما في قصتي (جورج الملك) و(آكلة الثلج) وأطولها آخر القصص (مفكرة) ب خمسة عشر صفحة، وتحلّت جميعاً ببساطة الجملة وخفتها وحلاوة التنقّل في الزمان والأمكنة من دون موانع منطقية، مع عمق وبث وتوليد مستمر لطاقات التأويل والإشارات، آخذة بالقارئ المستريح إلى يقظة تعارض كسله، وتفزّز ذائقته وتدفعه نحو فضاء الأسئلة وتخيّل إجاباتها. تستند قصة ( الحمّال البري) على التراث السردي العراقي والعالمي، حيث تسري فكرة الفداء والتضحية في دم الحمّال فيسمح لنفسه أن تنخدع ويفدي الرجل الثري ويحمله على ظهره على الرغم من بخله وفقر الحمّال، يسمّى بالسندباد البري وكأنه أطلس ويحيلنا هنا إلى حكايات ألف ليلة وليلة، وإلى الميثولوجيا الإغريقية حيث يحكم على أطلس وهو أحد الجبابرة الذين حاربوا الإله زيوس بأن يحمل السماء أو الفلك كله على كتفيه للأبد. ترى من يمثل زيوس في هذه القصة؟ ومن يمثل أطلس الجبّار؟ وإلى أي منهما ينتمي الثري والحمّال؟ هذه الأسئلة والإحالات المشاكسة لمرجعياتها وللقارئ أيضاً تفزّز الذوائق الكسالى وتجرها جرّاً للتفاعل والمشاركة في المشغل القصصي لوحيد غانم. هذه المشاكسات ذاتها نجدها في قصة ( خضراء) ، تواجهنا زهرة الفتاة الجميلة بحبها للمشروب الغازي المعروف (7 up)على الرغم من محاولات بائع البيبسي الكهل الخمسيني إقناعها بشرائه وبيعه في دكان عمها الذي تتولى شؤونه، عبثا حاول ومع جماليات السرد والوصف وما تقدمه براعة وحيد غانم من متعة لقارئه، يغيب الخمسيني ليحل محله مؤقتاً شاب وقعت زهرة بحبه وبسببه أحب مشروب البيبسي، هذا التنافس بين الخريف الخمسيني وربيع الشاب وإلى أي منهما تنجذب زهرة، صراع السواد والاخضرار، فهي من الرجلين تنجذب للشاب ومن المشروبين الأخضر والأسود،  مثيرة بهذا إشكالاً آخر ومشاكسة للقارئ تقول: إن الربيع هو ما يجذب الزهور للخصب بغض النظر عن شكله ولونه.  وفي القصة التي أختيرَ عنوانها للمجموعة (المستحمّات في حجرة) نواجه عتمة الحياة وغرائبيتها، فعلى الدكة التي تسجى جثامين الموتى عليها لتغسيلهن، تجلس الصبيات الصغيرات وعمتهن وأمهن للاستحمام، كلا الفريقين يتطهر من الأدران، الموتى من أدران الروح، والأحياء من أوساخ الجسد، هذا الاشتباك التطهري بين عالمي الموت والحياة يطالعه القارئ وهو متوتر مُستفزٌ يتساءل: في أيامي هذه أنا هنا بحمام الأحياء ولا أدري بأي غد سأكون على دكة كهذه؟ هذا الاستفزاز وامتداده الواقعي والغريب مع الزمن والساعات مهنة أبي عباس الثانية إضافة إلى تغسيل الموتى، والشاب قاسم ذاك الذي يأتي له ولزوجته بالزمن وبالساعات الجميلة، وتنتظره، تنتظر من سيأتيها يوماً، ولكن ليس لقلبها ليرويه أو لأحضانها ليقود الحياة بل يأتي إلى الغياب، إلى دكة غسل الموتى! فمن سيتولى تغسيله مما علق بروحه؟ زوجها أبوعباس كما هو العرف والمقتضى، أم، هي ولو سرّاً لتلي رغبته المؤجلة؟ هكذا هو مسار السرد وجمالياته في ما تبقى من هذه الباقة القصصية الجميلة، للقاص والروائي وحيد غانم ، فكان كبصمته المتميّزة في كل منجزه، أستاذاً في السرد وبارعاً في الإثارة.