لطالما كان حديثي الهاتفيّ مع الراحل مالك المطلبيّ قصيراً، متوتراً كحبل ممدود عبر هوّة من التوقعات الداهمة. أتعثّر في كلامي، فتتساقط الكلمات في الفراغ الكبير مثل أحجار بلا وقع. يتلاشى الصدى، ويعمّ الصمت. يغيب الوجود اللغويّ الكبير، يحضر الموت ليقطع الاتصال. هذه المرة، لم يكن الموت عطلاً هاتفياً طارئاً، قطعَ حبل الاتصال: إنّه الصخرة- بثقلها اللغويّ- هوَت في الظلام. فجأة انقطع الاتصال، الذي تكرّر خلال الأيام الأخيرة، بعد انتهاء المطلبيّ من تأليف رباعيّته النقدية عن أعمالي السَّردية. أشعر، اللحظةَ، بحتمية الفراق. لا شيء يُقال ويطول النقاش حوله. ما الذي يقالُ أكثر ممّا قيل؟ وصلَ الحفر في أسس النصوص أعمق مدى تصله يدُ ناقد، باحث عن المفاجآت. إرهاق ما بعده إرهاق في تفسير الأحلام والرؤى. ما من شيء يستدعي البحثَ في بنياته ومضامينه العميقة. النقد يقطع صلته بمصدره. وبالمثل، غدا تلقّي الخطاب فراغاً مديداً، واسعاً كهوٌة حقيقية من هُوى واقعنا اليوميّ المظلمة. القراءة تفقد وليدَها، إذْ تتلقّاه بلهفة. علامة "السلحفاة" التي أتفاخر عادة بحراستها نصوصي، تغطس وتسبِتُ في المياه العميقة. أكثر من إنذار بتراكم دروع المعرفة، وحجبها لضوء القراءة_ غير دروع الحرب، التي شخّصَ المطلبيّ حضورَها المركزيّ في قصصي. لم تتسنّ لي فرصة وداع وجاهية مع مالك، أشبِعُ فيها رغبةً ظلّت معلّقة دونما إمعان في تفاصيل كثيرة، تجمّعت خلال وقت طويل، منذ صدور كتابه المشارك مع عبد الرحمن طهمازي "مرآة السَّرد". أخبرني في الهاتف، أنّه يُعدّ طبعةً ثانية من ذلك الكتاب، الذي أصدرت أول طبعة منه، دارُ نشر صغيرة ببغداد، عام ١٩٩١. كان كتاباّ فقيراً في تصميمه وطباعته، كما لو أنّه طلعَ من زقاق المطابع الصغيرة، خمسينيات القرن الماضي، وادّخرَ مناخَها واكتفى بصدق بحثها واشهارها لكاتب مغمور، يؤلّف نصوصَه، هو الآخر، في زقاق بعيد عن مركز الإنتاج الأدبيّ في العاصمة. لذا فإنّ صدور طبعة جديدة من كتاب التسعينيّات_ وهي حقبة ذات مناخ ثقافيّ متوتر، بمطابعه المنزوية في الظلّ_ بتصميم جديد يتولاه ابنه "لبيد"، سيُنقذ الكتابَ من ظلال تلك الحقبة، ويضعه في واجهة المؤسّسة النقدية الجديدة. أشعر بأنّ إعادة نشر "مرآة السَّرد" يأتي باعتباره مكافأة المؤسَّسة للناقد المطلبيّ، واعترافها بريادته للنقد البنيويّ الجديد في العراق. ولعلّ تأخّر صدور الطبعة في حياة الناقد المجدِّد، سيؤجل الاعتراف بهذه المثابة إلى حين. وعسى ألا يضيع هذا الأثر في هوٌة الغياب، فتنقطع حلقة من حلقات الاتصال/ الانتقال بين مرحلتين من النقدية العراقية: الكلاسيكية والتجديدية. بهذه الاحتمالات المحيطة برحيل الناقد المجدِّد، مالك المطلبيّ، وانقطاع خطوط اتصاله بحركة التحديث النقديّ، سيخيّم جوّ تنهض فيه رؤىً كابوسية بعودة المناخ المكفهّر لزقاق المطابع القديم، وسيطرة الإيديولوجيّات السّلطوية على إنتاجه النقديّ. إنّنا إزاء لحظة مفجعة، وترقّب حزين، غاب في طيّاتهما وجه من وجوه الطليعة النقدية، لولا إطلالته على مشهدنا الأدبيّ، بين حين وآخر، لكان وجودنا ناقصاّ وناقعاً في وحل التخلّف والتبعية الأدبية.
وداعاً لتلك الغضون المشبَّعة بقهر البدايات الصعبة، وسلاماً للروح المجدِّدة عبر عقبات الاتصال والمجادلة، وعسى ألا ينقطع الصوت الغاصّ بحِمل رحيله عبر خطوط الغياب.