واقفا مثل نخيل العراق، رافعا كلتا يديه مودعا بعد ان سجل اسمه عاليا بين الأصوات الواعية، والعقل النير الذي ساهم في تشكيل الوعي الثقافي والمعرفي، لم يكن مجرد أكاديمي يؤدي دوره بيسر، بل أثرى الساحة الفكرية بعطاء وإخلاص وثبات، خرج من بين أزقة الفقراء في منطقة الحلفاية بالعمارة حاملا مشعلا ينير الطريق، ويثبت ان الفقراء وان جاعوا الا انهم حريصين على ان يكونوا مؤثرين في المعرفة، جديرين بان تكون لهم أسماء حاضرة في مسار الثقافة وفي كل مسارات الحياة في العراق.
أدى ما يوجبه عليه الموقف النقي من التزامات، دافع عن المعرفة في زمن الخوف، مؤمنا بدور الانسان في بناء ذاته والمجتمع، وان الثقافة لم تكن ترفا بل كانت دوما مسؤولية ورسالة، حاملا لهموم الكلمة، يلوح لنا بابتسامته المعهودة انه قدم ما يمليه عليه الضمير، ملوحا بكلتا يديه وعلى الرغم من رحيله جسدا فإننا نفتقد حضوره لما يشكله من معاني ودور ثقافي.
وبرحيله انتهت حقبة من زمن هجرته داخل الوطن، تقاطع مع النظام الشمولي، والتزم بتقية المثقف التي التزمها كتاب وشعراء في الزمن العسير، تقبل ان يكون منفيا داخل الوطن، صامتا خارج إطار عمله الأكاديمي في الجامعة، منصرفا للبحث والتدريس والدراسة التي تطور المعرفة وتجعله متقمصا لدور الصامت، يلوذ ببيته المتواضع وبمقاهي المحلة الشعبية التي يقيم فيها، يتحدث همسا مع من يثق بهم، غير انه كان صامتا وكان من بين صفوف الشجعان الذين التزموا الصمت.
رحل مالك المطلبي وهو لا يملك من هذه الدنيا التي تحدى ريحها وسمومها سوى كرامته وحنينه الى بيوت الفقراء في الحلفاية، وللجنة التي كان يحدثنا عنها في (صدور المجر ) ، حين يقسم ان للطين رائحة عبقة تختلف عن كل طين العالم ، لم يفرط بالتزاماته بالعطاء والصراحة والصدق والجدية الصارمة في تطوير بحوث الطلبة، رحل حاملا معه كما من هموم الحياة والثقافة في العراق، لكنه كان شاهدا على مسيرة الثقافة والعطاء الصادق الملتزم الذي لا يمكن ان تنساه الثقافة في بلادنا.
رحل مالك المطلبي تاركا خلفه أرثا من الفكر والابداع له تأثيره الكبير على الثقافة العراقية، رحل جسدا لكن الكلمة تبقى، والمواقف تظل شاهدة.