مات مالك المطلبي في يومٍ عاصف، وفي زمنٍ عاصف، حتى بدا وكأنه يشاطرهما احتجاجه الصامت، وموقفه الذي طالما جاهر به وهو يحلم بزمن ثقافي عراقي محمول على اسئلة التغيير، وعلى رهانات الوعي، وعلى بيانات "الثورة الثقافية" التي تعني أن وعيا ثقافيا يتحرك، وأن وجودا ثقافيا يتململ من الراكد والسائد، ومما تركه التاريخ مفتوحا على اوهام مستبدة..
المطلبي احد الشهود الكبار على زمننا الثقافي، فمنذ اكثر من ستين عاما، وهو يغامر ويحلم ويتجاوز، يرمم ما حوله، يمنح الفاعل اللغوي الذي يلبس قناعه طاقة العبور الى الجهات، واشعال الحرائق في الادغال اليابسة، واعلان الحب على ذاكرة الكراهية، والاشهار بالوعي النقدي، بوصفه تمثيلا للوعي "العضوي" والثوري الذي يمكنه ازاحة التاريخ عن السلطة، واخضاع السلطة بأقنعتها المتعددة الى المراجعة والمساءلة..
لم يشأ المطلبي أن يظل شاعرا، مع أنه يعرف أن الشعر هو "سيد الكلام" وأن الشعراء هم الأكثر قدرة على تحويل اللغة الى بيتٍ للسحرة، فاختار له عالما ثقافيا مجاورا، يصنع من خلاله قناطر للعبور، وافكارا للتشهي وتخليص الشعر من التاريخ، وتحويله الى فنٍ بشري، قابل للإزاحة والسيولة والتمرد، وفاعل في صناعة الاسئلة..
هذا هو مالك المطلبي الذي بدا وكأنه "أيقونة ثقافية" حاضرة في السجال والجدل والاختلاف والاجتهاد، وفي الشهادة الواعية على ما يجري في "الزمن الثقافي" وهذه ميزة من الصعب لمثقفٍ عراقي أن يحظى بها، فتمنحه سمة القربى من المثقفين العراقيين، مثقفي المقاهي والصحف والاحزاب والشارع والايديولوجيات الذين يختلفون على كلِّ شيء، على اسمائهم، وعلى عناوين القصائد والروايات واللوحات، وحتى على الاجناس الثقافية، وبهذا كان المطلبي المثقف الأكثر هوسا بفكرة " جامع النص" حيث لعبة التناصات، وحيث حرية الكتابة، وحيث التمرد على القيود الكثيرة، قيد الاكاديمي/ المعلم، وقيد المثقف المسلكي، وقيد صاحب السيرة، وقيد البلاغي والسيميائي والبنيوي، وهي قيود غاوية احيانا، لكنها تتحول احيانا أخرى الى تهم مزعجة..
بدأ المطلبي شاعرا، فأصدر كتابه الأول " سواحل الليل" عام 1965 مأخوذا برومانسية الشاعر الجنوبي، وبثنائية الماء والليل، لكن كتابيه الشعريين " الذي يأتي بعد الموت" عام 1979، والثالث "جبال الثلاثاء" عام 1981 كانا الولادة الشعرية الواضحة له، في وسط شعري عراقي وعربي محتدم، وضاج بأسئلة الحداثة والمفارقة، وبحساسية لعنة "السياب" وكيفية التمرد على سلطة قميصه المفتوح الى كل الجهات..
كان تمرد المطلبي باتجاه آخر، حيث الذهاب الى غواية اللغة، ليس بوصفها النحوي والصرفي، بل بوصفها السيميائي، حتى تحول هذا الاهتمام الى "صدمة نقدية" اعطت للمطلبي مساحة مفتوحة على اسئلة نقدية جديدة، وعلى قراءات أكثر جدة، كشف من خلالها عن البنى العميقة المؤسِسة للنص الشعري، وعن العلامات التي يحفل بها، عبر تقانات واجراءات، قادته في مراحل لاحقة الى صياغة ما يمكن تسميته ب" النص النقدي المفتوح" حيث استعارات امبرتو ايكو ورولان بارت وجاك دريدا، وحيث مقاربات حازم القرطاجني وعبد القاهر الجرجاني، حتى تحول هذا النص الى فضاء يتعالي مع الاشتباك المعرفي، ومع اعطاء المجرى النقدي مسارات جديدة، يتجاوز من خلاله ما هو سائد ونمطي، وما هو مكرس في ادبيات النقد الأدبي.
علاقة المطلبي بـ "اللغة" في استعمالها السيميائي كشفت ايضا عن وعي نقدي جديد ومفارق، وعن قصدية تجاوز فيها صفه الناقد المسلكي، الى الناقد الاركيولوجي، وصفة الناقد "الاخباري" الى الناقد " الاجتهادي" حيث مارس وظيفة الحفّار، و"القارىء العمدة" وحيث الاجراءات التي تجعل النقد ازاء استعمالات ثقافية جديدة، وازاء مديات تستوعب معطيات التجديد النقدي، على مستوى الوظائف والاجراءات، وعلى مستوى المفاهيم والافكار، التي جعلت من الناقد مأخوذا بفكرة تمثيل "الخطاب النقدي" وبإجراءات تحليله وتفكيكه، عبر ادوات ووسائط خرجت من البلاغة الى العلم.
المثقف الذي رأى
منذ الستينيات كان المطلبي يقف وسط "اللحظة الثقافية العراقية" متسائلا، وباحثا، وكائنا يوميا، مشغولا بتفاصيلها الصغيرة، يرقب تحولاتها، وهواجس مثقفيها، وهم يعيشون الخوف والرعب، واوهام البطولة، قبالة البحث عن الكتابة الجديدة، وعن الحياة التي تقبل بالتناقض والشك المعرفي، والمغايرة، وبالروح الجديدة التي تتشهى مفارقة زمنها، والتحريض على اعادة النظر ب" دفاتر الذاكرة" وبما تخفيه من افكار ومن معانٍ ليس من السهولة التخلص منها، واخراجها من التداول الثقافي، والوقوف امام انماط صلبة تكرست عبر الايديولوجيا والاقفال الحزبية، والفهم الساذج للثورة، حتى بدا مشروع المطلبي النقدي أو "الدرس النقدي" خارج المألوف، فكتب عن "الزمن واللغة" وهو كتاب منهجي وجد في الدراسة اللغوية لشعر "السياب ونازك والبياتي" مجالا للكشف عن علاقة الوظيفة اللغوية بالوظيفة الشعرية، وعن التمثيل البنائي في مشاريعهم الشعرية، كما كتب عن التمثيل الثقافي في شعرية السياب في مقالته المشهورة "الثوب والجسد" وكذلك كتب في النظرية الثقافية، من خلال كتابيه " وهم الحدس في النظرية الشعرية" و" مرآة السرد" وكتب ايضا في مجال السيرة والدراسات الثقافية في كتابه " حفريات في اللاوعي المهمل" وكتابه " تأمل المقدس في اسطورة الأدب الرفيع" وهو دراسة ثقافية في مشروع د.علي الوردي، فضلا عن كتابه المشترك مع الشاعر والناقد عبد الرحمن طهمازي حول المجموعة القصصية "المملكة السوداء" للقاص محمد خضير..
المشروع المهم في تجربة الراحل الكبير هو كتابه الموسوعي " رباعية المشروع البصرياثي" لمحمد خضير، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق بأربعة اجزاء " الحفر المعرفي/ بصرياثا- صورة مدينة" و" فضاء الأبراج/ رؤيا خريف- قصص" و " بحيرة الرئيس/ كراسة كانون- رواية" و " ميتافيزيقيا السرد/ احلام باصورا- نصوص سردية"
يمكن أن نعد المطلبي صاحب "المعطف اللغوي" وأن مشروعه النقدي لا ينفصل عن مشروع "الناقد الثقافي" في تمثيله اللغوي/ البنيوي والسيميائي، وحتى في حفريات الاركيولوجي الذي يجد أن وظيفة الناقد تتجاوز الظاهر الى المحذوف، والى التأويل، والى ما يمكن أن يحمله النص من خطاب مواز، أو من رؤى تمنحه فاعلية الناقد الذي يشعل الحرائق، الذي يمكنه أن يخضع العالم الى سلطة اللغة، وأن يعيد تصميم العزلة لتكون فضاء داخليا، متوهجا ومكشوفا على ما تصنعه اللغة من زمنٍ ثقافي، يتجاوز زمن الساعات الى زمن الرؤى...
لقد رحل المطلبي مع هذه السيرة الكبيرة، ترك لنا اسئلة مفتوحة، وربما زمنا مفتوحا للقراءة، وقراء يبحثون في مظان مشروعه الثقافي الذي جعله وكأنه خاتمة ساطعة لتاريخ مسكون بكثير من الاسرار والاسفار والحكايات...