كبرتُ
فانطفأتْ لعبةُ الطباشير،
وصارتِ المربّعاتُ الأربعُ نوافذَ بلا أرض،
أمرُّ فوقها
ولا يحدثُ شيءٌ في النهر.
كان النهرُ رسمًا،
والآن صار فمًا.
أقفز
فيبتلعُني هديرُه،
ويمضغُ عظامي
كحلوى قديمة.
السماءُ لم تعدْ زرقاءَ،
إنها سلّمٌ مكسورٌ،
كلُّ درجةٍ تصعدُ بي
تسحبُ الأرضَ من قدميّ،
فأسقطُ من فكرةٍ إلى فكرةٍ،
وأرتطمُ بجمجمتي.
أمّا الحفرةُ
فلم تعدْ حفرةً؛
إنها جيبُ معطفٍ واسعٍ،
أندسُّ فيه،
وأتكوّرُ كرسالةٍ لم تُفتحْ،
وأتدرّبُ على هيئةِ جثّةٍ
كي لا يُفاجئني الثباتُ.
تقولُ أمّي: كبرتَ بسرعةٍ.
ويشيرُ أبي إلى فتاتِ الخبزِ
كأنّه تقويمٌ يتساقطُ من صدري.
وأنا أعبرُ جدرانَ السنواتِ
كشبحٍ يبحثُ عن ثقبٍ؛
كلّما وجدتُ شقًّا
سبقني الهواءُ إليه
وأغلقَه بضحكةٍ شفّافةٍ.
أجلسُ في الثامنةِ عشرةَ،
كرسيٌّ صغيرٌ في محطةٍ مهجورةٍ،
ألوّحُ لنسخي
وهي تعبرُ إلى الأربعينِ
بجوازاتِ سفرٍ من ضوءٍ،
اِتقنتُ اللعبةَ أخيرًا:
أخترقُ الجدارَ
كسمكةٍ تتعلّمُ المشيَ،
ولا أُبالي بالعظامِ
وهي تعزفُ صريرَها الليليَّ
داخلَ صدري
موسيقى هشّةٌ
لجسدٍ يتهجّى سقوطَه.
قلبي الذي ابيضّتْ عروقُه
صار خريطةً بلا أسماءٍ،
ويقولُ لي:
الموتُ ليس رقمًا،
إنه لحظةُ انتباهٍ.
تنظرُ إلى صورةٍ قربَ المرآةِ:
وجهٌ هناك
ينزفُ سنواتٍ سائلةً،
ووجهٌ هنا
يبتسمُ كأنّه لا يعرفُه.
كبرتُ
وأبعدُ عمرٍ أعيشُه
هو ذاك الذي تركتُه خلفي،
يركضُ بين مربّعاتٍ
تؤدّي إلى لا شيءٍ،
إلى كلِّ شيءٍ،
إلى طفولةٍ
يسمّونها الماضي
كي لا يضطرّوا
إلى اللعبِ مرّةً أخرى.