قبل اكثر من عشرين عاما وأنت من كتب مقالا بهذا العنوان.... في رثاء لوالدي الراحل د. عناد غزوان ونشر في جريدة "النهضة" البغدادية آنذاك، يوم كنت تدير صفحتها الثقافية عام 2004م. فقلت وأنت تستهل مقالك المؤثر هذا ((ليست المعضلة في الموت! فمنذ مغامرة الانسان الاخيرة لتجاوز الموت الى الخلود على يد المغامر كلكامش ومنذ فشل هذه المحاولة بعد ان تلقفت الافعى وصفة الخلود. انتقل الانسان الى اعتبار الموت حقيقة اولى من حقائق الوجود)) استاذي د.مالك المطلبي كيف تريدني ان اتلقى النبأ؟ كيف اكتب نعيا يليق بخالد مثلك وكيف اعبر عن حزني العميق لفقدك بكلمات لا استطيع ان أجمعها؟ انها معضلة في تلقي النبأ الحزين الصادم والمفجع. عرفتك استاذي الكبير منذ ان كنت طالبا صغيرا في بدايات ثمانينيات القرن الماضي وأنا اتابع سجالاتك النقدية مع كبار نقاد العراق مثيرا لحوار طالت حلقاته واختلافاته التي لم تكن إلا حوار ثقافي ادبي رائع يسير بتوازي عميق مع التطورات والتحولات النقدية الحديثة التي تراوحت ما بين الحداثة وما بعدها ..سجال جعلني اتابع تلك الاسطر التي كنت تكتبها وأنت بروحية شبابك الناهضة والمتوقدة في حوارك لنقاد كبار يشغلون دورهم ومكانتهم الثقافية والأدبية، لم تكن لتلك السجالات والاختلافات اثر سلبي عند هؤلاء النقاد الكبار الذين وجدوا فيك ناقدا جديدا اثيرا مبدعا باحثا عن مجالات جديدة في رؤيا النقد الجديد ومحاولة اثارة الرأي والرأي الاخر ما بين حقبتين من الرواد والجيل الذي تمثله انت ايها الجرئ الذي استمر بجرأة نقدية حاذقة.
كيف اتلقى النبأ وقد كنت على قرب شديد منك استاذي الكبير، بعد ان اصبحت طالبا في كلية الفنون الجميلة في الدراسة الاولية والعليا، حيث كنت القاك والدعابة والابتسامة الجميلة على محياك... وحديثك الشيق عن العربية والنقد والتحليل. حتى لجأت اليك طالبا ان تقترح لي عنوانا لدراسة الماجستير آنذاك، اتصلت بالأستاذ الكبير وحددت معه موعدا في جريدة "النهضة" وذهبت حسب الموعد انا وأوراقي، استقبلتني بكل حب وطمأنينة واقترحت علي عنوانا: (الرموز البلاغية في التصميم الطباعي المعاصر) ووضعت لي ادبيات الدراسة وفصلتها تفصيلا علميا منقطع النظير وأرشدتني الى اقتراحه على لجنة الدراسات العليا. لقد كانت تلك التجربة بالنسبة لي من اروع التجارب العلمية والجريئة آنذاك لاسيما ان الخوض في هكذا موضوعات كانت من المغامرات العلمية. فقد كنت استاذنا الكبير من يقترح تلك الموضوعات الجريئة والجديدة على طلبة الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه في مختلف الاقسام العلمية في كلية الفنون الجميلة، في السينما والمسرح والتشكيل. ومن الذين اشرفت عليهم الفنان التشكيلي الراحل د. بلاسم محمد جسام والفنان المسرحي الكبير د. ميمون الخالدي والفنان السينمائي القدير د. طه حسن الهاشمي. وكانت تلك المناقشات التي كنت بفخر فيها رئيسا او عضوا او مشرفا، تتحول الى جلسة نقدية وعلمية ممتعة ورائعة تشد الحاضرين نحوها وتجعل الجميع في حالة استمتاع كبير فيما كان يقدمه فيها من آراء واجتهادات متميزة تحفز الشباب نحو البحث وسبر اغوار النقد في علوم الفن المختلفة. ترأست فيما بعد رئاسة تحرير مجلة الاكاديمي المجلة العريقة في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد واسهمت في تطويرها علميا بما يخدم روح العصر والتقدم العلمي والفني والتقني الذي يشهده العالم يومئذ. وبعد احالتك على التقاعد لم تكتف بالنشر العلمي والحضور الثقافي الثر في منتديات الادب واللغة والثقافة والنقد بل بقيت استاذا اكاديميا بارزا في جامعة الاسراء الاهلية ببغداد، حيث كنت نشطا كعادتك وعالما فذا يبحث عن تطوير طلبته في قسم الاعلام وتطوير قابليتهم اللغوية والإعلامية وبلباقة عالية. وكنت ازورك بين الحين والحين، والتقيك في اتحاد الادباء والكتاب في العراق ومعارض الكتاب التي تقام ببغداد سنويا حيث استمتع برفقتك وروح النكتة والفكاهة والاستمتاع معك. لكنه الموت .... الرحيل الابدي الذي لا يرحم ويحول بيننا وبين احبابنا الذين لا يمر ذكرهم من دون دموع وذكريات أليمة.. اي صبر على هذا الالم والفراق لكنه الرحيل حتما ... سلام عليك استاذ النقد والجمال .. سلام سلام.