كثيرا ما تتعرّض الأيديولوجيا الى قراءات مشوهة، والى توصيفاتٍ تُجردها من وجودها النسقي، لتتركها نهبا للتجريد، وللتنميط والتقليد، ولما هو تبسيطي في توصيف علاقتها بالوعي المزيف، والضبط السياسي والعقائدي..
المجتمعات الحديثة تُعنى بالايديولوجيا من منطلق تمثيلها الثقافي، بوصفها تأطيرا للأفكار، وتشغيلا لوظائفها في التعبير عن تموضع مظاهر وسرديات الصراع الطبقي والاجتماعي داخل انساق وضوابط لها معاييرها وقواعدها واحكامها.
لا تاريخ لنشأة الأيديولوجيا، ولا سيرة حقيقية لسيرة ابطالها، فبقدر ما يفترض هذا التاريخ لها من صور ومرجعيات، فإنه يؤشر خطورة تمثيلها للسلطة، وتحوّلها الى اداة للعنف الثقافي، وليقينيات تتعزز فيها الحتمية، حدّ تحولها الى عصاب ثقافي، والى قوة تمتلكها تلك السلطة أو الجماعة، وهو ما يعني تهديد بناء مشروعات الدولة والهوية والنظام الاجتماعي والديمقراطية، وصولا الى جعلها ممارسة في القمع الاجتماعي، حيث تتقوض قيم الشراكة والتنوع وفاعليات التنظيم الاجتماعي والسياسي، وصولاً الى ما تصنعه من غلوٍ في الافكار، وفي ابراز مظاهر العصاب، بوصفها تمثيلات للثقافات المركزية..
الانحياز الاعمى للايديولوجيا، لا يعني تحويلها الى هوية مركزية، أو الى رأي عام يفرض انحيازه للآخرين، بقدر ما يعني نقل توصيفها النمطي في "تزييف الوعي" الى فرضية الوعي المهيمن، وهو نقلٌ يتقاطع مع أصل الأيديولوجيا في أن تكون "نسقا متكاملا من الأفكار والمعتقدات، والقيم التي تشكّل نظرة الفرد أو الجماعة للعالم والمجتمع، وتوجه سلوكهم السياسي والاجتماعي. تعمل كخريطة فكرية لتفسير الواقع، وتبرير المواقف، أو السعي لتغيير النظام القائم، وتتميز بطبيعتها المحركة للعواطف والموجهة للجماهير" كما تصفها الويكيبيديا..
هذا التوصيف "الاكاديمي" كثيرا ما يتفكك داخل الانساق الثقافية، حيث تتحول الأفكار والمعتقدات الى فاعليات مغلقة، تؤسس خطابها على أساس وجودها داخل مراكز حاكمة، وعقائد حاكمة، وعبر مظاهر للعنف والسياسة والسلطة والمقدس، وهذا ما يجعل إعادة توصيف الأيديولوجيا، ضرورية لإعادة توصيف المفهوم ذاته، في سياق تمثيله الثقافي، أو في سياق تحرره من الماضي الذي جعل من الأيديولوجيا اطارا مرجعيا، لا سيما في المجتمعات الطبقية، وفي النظم السياسية التي تفرض سيطرتها على رأسمال المعرفة والثروة والعنف..
إن تجريد الأيديولوجيا من عصابها، ومن رهانها الطبقي يرتبط بموقفها من الحريات، ومن المجال العام، ومن الانفتاح على عالم جديد، بعيدا عن "القياس" وعن اليقينيات التي تختلط بين الثابت والمقدس والعنف الشرعي بتوصيف ماكس فيبر، ليس بهدف صياغة "تعالٍ أيديولوجي" أو قطيعة معرفية مع التاريخ، بل بهدف إعادة النظر بالاشكاليات العصابية التي تهدد مشروع الدولة الحديثة، وأولها النظام الديمقراطي والحريات، وكذلك إعادة النظر بعلاقة الايديولوجيا ب"الوعي الزائف" الذي انتقد من خلاله ماركس الأفكار المتعالية التي كانت تشيعها البرجوازية الألمانية داخل النظام الرأسمالي..
إعادة توصيف القراءة الماركسية للايديولوجيا تفتح أفقا، لقراءة التحولات الكبرى في المجتمعات الحديثة، وفي تحرير العقل الثقافي من اوهامه التي ارتبطت كثيرا بالميتافيزيقيا، وبالانماط الحاكمة، وحتى بالفلسفات التي ترسخت فيها "الأنا" الديكارتية، و"العقل الكانطي" و"المثال الهيغلي" وعلى نحوٍ يتحول فيه التوصيف الى فعل نقدي، يقوم على إعادة التمثيل الثقافي لها، عبر تقويض مركزيتها المثالية والمتعالية، لكي تكون أكثر دينامية داخل المجتمعات الجديدة، ونقلها من الانساق الدينية والعصابية والطبقية الى التداولية السياسية والثقافية، عبر مساءلتها، وعبر جعلها جزءا من إجراءات العقل النقدي.
التأكيد على أهمية الديمقراطية في البناء الاجتماعي يقترن بوجود الأفق الذي يوسع فاعلية النقد من جهة، واعادة فحص المفاهيم التي صاغتها الحداثة من جانب آخر، ليس لحساب إرساء قواعد وصيغ جديدة للحكم فحسب، بل لفتح مجال أكثر حيوية لإنتاج الأفكار، وإعادة فحص التاريخ بوصفه "فخا انطولوجيا" وتمثيلا متعسفا لسلسلة من "الأيديولوجيات الكبرى" التي حكمت العالم بالعنف، بدءا من "سلطة أثينا" الى "سلطة روما" الى سلطة الاقطاع وسلطة البرجوازية، مرورا بسلطات التبشير والرأسمالية والاستعمار، وصولا الى المركزة الأيديولوجية للديكتاتوريات الفاشية، وانتهاء ب" الليبرالية الجديدة" التي لا تعني سوى مزيد من العنف والشعبوية والمركزية التي تسوغ صعود اليمين المتطرف وادلجة العنف والسيطرة على العالم من خلال سلطة السوق والعسكرة والشركات العابرة للقارات وانماط ثقافات الاستهلاك وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، الذي يتبدى واضحا في "الانموذج الأميركي" بنسخته الترامبية..