في المجتمعات التي تحكمها العصبيات والأصوليات، هناك خطأ شائع بين الناس وهو الاعتقاد بان المجتمع السليم والخالي من المشاكل، هو المجتمع القائم على (التشابه) الفكري و(التجانس) الاجتماعي و(التماثل) الإيديولوجي، بحيث تنتفي - قدر المستطاع - مظاهر الاختلاف بين أفراده والتباين بين جماعاته. كما ويسود بين مكوناته تصور ان مظاهر الضعف البنيوي والتخلف الثقافي التي يعاني منها ذلك المجتمع، ما هي إلاّ نتيجة لوجود (الاختلافات) الاجتماعية، و(التنوعات) القومية، و(التباينات) الدينية، التي من شأنها زيادة (الخلافات) ومضاعفة (الصراعات).
والحقيقة التي لا جدال حولها هي إنه لا يوجد مجتمع بشري على وجه البسيطة خال من تلك الاختلافات والتباينات والتنوعات، باستثناء تلك الجماعات (الأبوية) القديمة الموغلة في البدائية التي عاشت في عزلة صنعتها الطبيعة واستوجبتها الضرورة. وذلك من منطلق إن الكائن البشري مخلوق يحمل في كيانه جينات الاختلاف والتنوع والتباين، بحسب الآية الكريمة التي تقول (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا"وقبائل لتعارفوا). بحيث لا يوجد إنسان يشبه إنسان آخر، ولا توجد جماعة تماثل جماعة أخرى، ولا يوجد مجتمع يطابق مجتمعاً آخر، لا في مجال اللون والشكل والملامح حسب، بل وفي مجال الوعي والتصور والإرادة كذلك. لا بل ان هذا الأمر الطبيعي يسري حتى على صعيد تكوين (الفرد) ذاته أيضا"، استنادا"الى سيرورات اختلاف وتنوع مراحل نموه البيولوجي وتطوره النفسي وتحوله الفكري، ناهيك عن مجموعة التغيرات النوعية التي تطرأ على بنية علاقاته الاجتماعية، ومنظومة ثقافاته الفرعية، ونسق سياقاته التاريخية كذلك.
ولعل سائل يسأل؛ أليست ظاهرة الاختلاف بين الأفراد والتباين بين الجماعات والتنوع بين المجتمعات، هي ما يسبب كل تلك النزاعات الدموية، والصراعات المميتة، والحروب المدمرة، نتيجة لنزعة (تفضيل) كل واحد منا لقوميته ودينه وثقافته على حساب أفراد القوميات والأديان والثقافات الأخرى، الأمر الذي يجعل من التنازع والتصارع حتمية لا مفر منها ؟!. وللإجابة عن هكذا سؤال نقول : انه طالما كان الاختلاف والتنوع بين الجماعات والمجتمعات، هو أمر (طبيعي) ملزم قبل أن يكون مطلباً (بشرياً) مهماً، إن اللجوء إلى فضائل (الحوار) و(التفاهم) و(التوافق) بين تلك الجماعات المختلفة والمجتمعات المتنوعة، يغدو هو السبيل الأنجع والطريق الأمثل، ليس فقط لتجاوز تلك المنازعات والصراعات فقط، وإنما لإرساء قواعد إنسانية وحضارية تسهم في بناء مجتمعات تنعم مكوناتها وجماعاتها بالأمن والسلام والاستقرار، حيث يكون بمقدور هذه المكونات والجماعات الانخراط في سيرورات التطور الاجتماعي، والازدهار الاقتصادي، والارتقاء الحضاري، عبر سبل التفاهم والتراكم بالشكل الذي تعود مكاسبه المادية ومنافعه المعنوية على الجميع، من دون استثناء لجماعة لصالح جماعة أخرى، أو إقصاء لمكون لحساب مكون آخر.
وبرغم وجاهة الاعتراض الذي يتسلح بجملة من الوقائع الدامغة التي تفيد بأن ظواهر من مثل (الاختلاف) بين الاثنيات الأقوامية، و(التباين) بين الأصوليات الدينية، و(التغاير) بين الأرومات اللغوية، طالما كانت بمثابة الصواعق التي فجرت العديد من الصراعات والمنازعات بين تلك الجماعات والمكونات المشحونة بالكراهيات العصبية، والمعبئة بالسرديات الأسطورية، التي لا تزال جروح ضحاياها نازفة ودماء عنفها ساخنة. نقول برغم ذلك، فان هذه الوجاهة المزعومة سرعان ما تضمحل وتتلاشى أمام وهج الحقيقة السوسيولوجية التي مفادها؛ ان شراسة العنف وضراوة القسوة التي تتآكل مظاهرها بنى المجتمعات (التعددية)، لا تنبع من وقائع (التنوع) و(الاختلاف) الموجودة في صلب المجتمعات المعاصرة برمتها، بقدر ما هي نتاج لاستثمار خاطئ لرموز تلك الاختلافات والتنوعات؛ إما لأهداف سياسية/ إيديولوجية، أو لمآرب دينية/ طائفية، أو لأغراض قومية/ أثنية، أو لدواعي قبلية/ عشائرية.
وكما هو الشأن مع كل ما هو (خصوصي) و(فريد) في تكوين الجماعات السوسيولوجية والمكونات الانثروبولوجية، يراد استغلال قيمه واستثمار رموزه في أتون الصراعات السياسية والمناكفات الإيديولوجية، فان كل ما هو طبيعي وشرعي في حياة المجتمعات السوية من مثل؛ (الاختلاف) في الأصول، و(التنوع) في المرجعيات، والتباين في الثقافات، و(التغاير) في اللهجات، قابل – وبسهولة – للتحول من كونه لبنة في مدماك البناء الاجتماعي وداينمو في سيرورة تطوره الحضاري، الى ما يماثل المعول في هدم ذلك المعمار وعائق في تعطيل تلك السيرورة، وذلك لمجرد إزاحتها من خانة العناصر المؤسسة للكيان الاجتماعي الماضي في مسارات التطور الاجتماعي والاستقرار السياسي، الى خانة العوامل المفككة للبنى التحتية، والمقوضة للمنظومات الرمزية، والمقطعة للروابط الإنسانية، والهادمة للمعايير الحضارية.
إن أس الشرور التي تعاني من ويلاتها المجتمعات (المتصدعة) و(المتشظية)، لا تكمن فيما يعتقد بوجود ظواهر (الاختلاف) و(التنوع) و(التباين) التي هي من طبيعة الأجناس والشعوب والأمم، بقدر ما يكون مصدرها (التسييس) المتعمد لكل ما تحمله من قيم وتمثله من رموز، غالبا"ما تشكل أرصدة معيارية تلجأ إليها المجتمعات المأزومة لحل مشاكلها المستعصية واشكالياتها المتوطنة، بعد أن أعيا الجهل جماعاتها وأعمى الطمع بصيرة مكوناتها من اللجوء الى الواقع المعيش للتماس الحلول المعقولة والركون الى التسويات المقبولة، دون الانخراط في دوامات التطهير العرقي والتهجير الطائفي التي من شأنها الإضرار بمصالح الجميع وإلحاق الدمار بحضارة المجتمع.