اخر الاخبار

كل من قرأ كتب المذكرات لأدباء من الغرب أو الشرق، وأخص الشرق تحديدأ، وأقف عند كتاب (الأيام) لعميد الأدب العربي طه حسين كنموذج من الكتابة السيرية له (فرادته) يتطابق شعوره الذي يختلجه عندما يقرأ(رسائل من ناظم حكمت) الذي ترجمه القدير(واكيم آستور) بلغة تحاكي لغة شاعر كبير ك(ناظم حكمت).. ولأن للشعراء لغتهم في كتابة النثر إلا أن روح الشعر تسري في روح الكلمات التي ينسجون بها سطور كتابتهم نثرأ، فروح الشعر تتغلغل في سطورهم حتى لتخالهم يكتبون رسائلهم بمستوى قصائدهم طالت أم قصرت وذلك ما تحقق في "رسائل من ناظم حكمت" التي لم تفقد شعريتها بفعل الترجمة وبقي عبق الشعرية يفوح عبر الكلمات وعبر سطورها التي إتسمت بالإيجاز الموحي والعبارات الناطقة حتى تلك النقاط والفواصل تقول لك أيها القارئ: هذه نفحة من عبيري تربطك بقلب الكلمات.

وليس من نافلة القول أن أذكر مترجم هذه الرسائل(الفريدة) بنموذجها فأذكر له براعته في نقل عبق سطور الكاتب الشاعر الذي لولا براعته في الترجمة لفقدت الكلمات ألقها ولتحولت الى كلنات يابسة كما حدث ويحدث كثيرا في المترجمات التي نقرؤها شعرأ ونثرا فيكون إحساسنا عندها كمن يقضم تفاحة من خشب.

في ما تجاوز الخمسمائة صفحة من القطع الكبير جاءت ترجمة (رسائل من ناظم حكمت) الصادرة في دمشق العام 1995 وفي صدر صفحتها الأولى عبارة اهداء المترجم الى صديق العمر الذي لولاه لما كانت هذه الترجمة..الى كبيرنا حنا مينا..هذه الترجمة الموشحة بعد الإهداء بمقدمة المترجم التي جاء في سطورها الأولى ما نصه:

كلا! ليس باطلا ثم يسترسل فيقول:

"ما أقبح العالم لولا كلمات مضيئة، هنا وهناك، منها هذه الرسائل الرائعة لناظم حكمت، كتبت من السجن الى صديق آخر في السجن أيضا، مخترقة أسوار القهر والظلم، وكأنها صادرة عن عالم آخر كله محبة وسعادة، تخاطب الناس بأمل وفرح وتفاؤل":

((أما أنا، في هذا الكون الرائع:

فياله من حظ، يالها من سعادة

أنا نعاس ربيعي مليء بالأحلام المضيئة،

بالأمل المشع كالمياه الجارية،

 وشجاع كحبة قمح)).

 شجاع وأي شجاع ذلك السجين الذي يشعر أنه يخترق الجماد مثل حبة القمح الصغيرة التي تتجه الى النور رغم كل الحواجز، في حين ان أحرارنا هذه الأيام اليوم

يمضغون اليأس والهزيمة كالجنود المهزومين، ظهورهم الى الجبهة، ورؤوسهم مطأطئة، وكلمات خجولة من الإعتذار وطلب الغفران...

لكن هاهو صوت قادم من السجن يذكرنا بأن الظلم كان في الأمس أيضا،وبأن الكفاح كان في الأمس أيضا، وبأن الكفاح كان بالأمس أيضا، وبأنه هكذا أصبح العالم أفضل، وهكذا أيضا وفقط سيصبح أفضل وأفضل، لقد إنجلت المعركة عن هزيمة كبرى، لكن ما من معركة تنتهي إلا لتبدأ أخرى، وبين الإثنتين دائما خطوة الى الأمام، العالم لايرجع الى وراء،،وهذا العالم الذي إنقشع عن عوراته غبار المعركة، والذي أرادوه للبشر مثالا فبدا بأقبح صوره، هو نفسه الذي نحتت على ظهره أظافر المناضلين خطوطا باقية لم تطمسها الهزيمة بل جعلت منها دروبا يجب ان تحفر وتعمق وتوسع فتتحول من خدوش على جسده الى فصد يصل القلب لينزع منه الدم الأسود الفاسد.

 لقد توهم الكثيرون أن المعركة سهلة وأنها تكاد تشرف على نهايتها، لكن ناظم حكمت كان يعرف أنها طويلة وقاسية:

((الأيام قاسية،

الأيام تأتي بأخبار الموت،

وأجمل الأكوان،

أحرقناه بأيدينا،

ونسيت أعيينا الدموع..)).

وكان صوته يدوي دائما : (لنقاوم الألم) (أنا مفعم بالأمل وأصمد جيدا)، وكان

 يضرب لنا موعدا: (لنرقد الآن ونستيقظ بعد مائة عام ياحبيبي)،لا بمعنى الخمول والقعود بل بمعنى أن العالم الجميل الذي نكافح من أجله لن يزف موعده في الغد القريب، لنصغ إذا الى هذا الصوت من جديد لأن:

(أجمل البحار

هي التي لم نبحر بها بعد) .

وأجمل الأطفال

لم يترعرع بعد.

 وأجمل أيامنا

هي التي لم نعشها بعد.

وأجمل ما يمكن أن أقوله لك

هو مالم أقله لك بعد).

كان يقسم انه إكتفى، ولكن عبثا، ففي كل مرة، كان معلمنا الاول يعلن بتواضع، نحن البلداء، حقائق أولية يتظاهر بأنه إكتشفها معنا، مختصرا لنا الخيارات الماركسية في الفن كما كانت معروضة في الأعوام 1930_1950، لكن إذا نظرنا فيها عن كثب، تحت الصيغ المعتمدة في تلك الحقبة(مهندسو النفوس الخ..) فإن ناظم يعني شيئا آخر تماما، ويجازف بأفكار غير إعتيادية. من ذلك مفهومه عن الرواية، ونماذج الذين يمثلون عصرهم دون شك أيضا. والذين أذا درسناهم بعناية نفهم هذا العصر، لكن، في إعتقادي، أن الرواية والقصة أو القصيدة قد توصلت الى إمكانات أكثر إتساعا وأكثر واقعية من تلك التي تكلمناها منذ قليل، وستصل الى أوسع منها أيضا.

إذن كان يتخذ موقعا يتجاوز التاريخية الإجتماعية كهدف أساسي أو (وحيد) للعمل الفني. وقد أطلقت هذه الفكرة في وقت كان المفهوم الجدانوفي هو السائد.

 ويذهب ناظم الى حد إحتمال تجاوز الجنس الروائي والقصيدة المعاصرين اللذين يعتقد بأن الزمن قد تجاوزهما، ويستشرف زوال الأشكال القائمة للنثر والشعر لصالح جنس جديد تاريخيا يجب إكتشافه، ويحاول أن يضع هذه الفكرة في التنفيذ في (المشاهد الإنسانية).

كل هذا يعين له موقعا بعيدا عن تفاهات(واقعية) لم يكن لها،غالبا، من الإشتراكية إلا الأسم. كان ناظم يريد أن يذهب بعيدا في التنقيب عن الواقع الوليد وبأساليب أخرى.

  ةقد خلق فنا متحررا،وقصائد جديدة،وحتى أنسجة جديدة:(نسيجا لقميص، ناعما جدا، نصفه من الحريرونصفه من القطن، هو من إختراعي الخاص...) معلمو الحرير في بورصة، بلد الحرير، فغروا أفواههم له...)(لقد إخترعت حريرا ديمقراطيا أيضاﻻنه يتشرب العرق).

كل ناظم هنا، في هذه العبارة. إنه ينسج الحرير في السجن، بالشغف نفسه كما ينظم الشعر،ويعمل في السياسة، وفي الحرير وفي العرق، وحتى في العصفور، والكل عند هذا الناسج العجيب مسألة درجة:

هكذا ياكناري، بينك وبيني

ليس إلا إختلاف في الدرجة

 وحدة في الأختلاف، رؤية التناقضات، نضال:(اكثر الحريات أهمية هي حرية النضال) كان يقول.

 إننا سنجد أشياء كثيرة في هذه المراسلات، لكن أكثرها إثارة، هو التكرار اليومي لعدد من الموضوعات الملحاحة: نقص المال، الصحة السيئة، القلق من الشعور بالانحباس، إرادة العمل، الإشتياق، الشجاعة، الحب المجنون،...هذا التكرار يؤثر على القارئ، مثل أغاني الأناضول الشعبية؛ وتعود الانغام نفسها على التوالي، وتحدث إنسجاما أيقاعيا يجرفه الى مكان آخر.

الى أين؟ الى داخل سجن بورصة، في قلب المأساة.

في نهاية الرسائل، ثمة إيحاء بحب جديد، وفراق لابد منه ينضاف الى قلق حب ينبض لأقل شيء، هناك هذا العفو الذي لا يأتي..