اخر الاخبار

في (مهرجان الناصرية تقرأ) رأينا جيلا جديدا من الشباب المجتهدِ لرسم صورةٍ جميلة عن العراق المتحضر الوديع، الذي كان قُبلة مضيئة وعبقة لشعوب المعمورة. لقد نبتت في شجرة البلاد، أغصانٌ جديدةٌ/ طريةٌ/ مورقةٌ/ حالمة بالرخاء والرفعة، ومتطلعة للألفة والخير والفرح، وتنافس الأغصان التي شاخت إراداتها المنتجة للجراح والكوارث والأحزان.

هذا العراق الذي ابتكرَ أرقى الإشارات، وغنى أعذب الألحان، ورسم أجملَ الحروف، وصاغَ أبلغَ الكلمات، ونقش أقدم المدونات، ودَوَّنَ أروعَ الكتب، علينا أن نتركه لأبنائنا، جميلا/ آمنا/ حرّا/ مُضيئا/ عطرا، وحريٌّ بنا أن نجلبَ لهم الفرحَ، والرقصَ، والغناء، واللهو والسعادة.

كفانا حروبا، وخرابا، وبؤسا، وحرمانا، وأكلا في النفايات، كفانا كرها وبغضا وحنقا لبعضنا البعض، ملَّ الأبناءُ من الغشِّ، وارتداء الأقنعة، والتزلّف، والتحايل على القانون. فالأجيال الجديدة، تُراقب، وتدقِّق، وتكتشف البون الشاسع بين الادعاءِ والعمل، وبين الكلام المعسول والسلوك الخاطئ، وبين الظواهر والبواطن.

إنّها أجيالٌ ولدتْ في نهايات كوارث عصر الزي الزيتوني، وانتبهت في سوق هرج التغيير الراهن، لترانا نتلاعب بالألفاظ، ونفترض سردياتٍ عن جنات بلادٍ وهمية.

فلماذا لا نعترف، بوهن رؤانا المستلّة من أحقاد مفتعلة؟

والى أين تشير خلافات مآربنا؟

وإلامَ يظلُّ الفيلُ على تلّ الأوهام؟

الفيل لا يطير، فدعونا نهدم حيطان خرائبنا، ونعيد قراءة واقعنا ببصيرة فتيان المستقبل.

كم أهدرنا من أوقاتٍ وأموالٍ وأحبابٍ، ونحن نختلف ونتصارع، فوق ركام بلادٍ مازالت تترنح من أوجاعِ تناحرِنا، وتنافسِنا في تخصيب كوارثها المشتعلة حتى الآن؟           

ماذا قدّمنا للأبناء سوى النفخ على الأبواقِ المشروخةِ منذ عهود؟

هل تسدُّ رمقَهم، ديمقراطيةُ نخرَتها قداسة المحاصصة؟

وعلى ماذا يعتمدون، وقد أفرطنا في تخريب تمنياتهم، بحياةٍ بسيطة هادئةٍ بلا بنادق؟

من يمنحهم فرصةَ، أن ينهضوا أخوة بقلبٍ ودربٍ واحد، دون مسارب تبعدهم عن بعضٍ؟

دعونا نخفف عنهم وزرَ أخطاءٍ لم يرتكبوها، ولنزرع في صحراء خطاهم للقادمِ، واحاتِ هدوءٍ، وآبارَ فرح.

فما عادَ يناسبهم، توجيه الوصايا الصارمة والتعاليم الجافة، من آباءٍ مازالوا في أزمنة معتمة وغابرة.

نحن الآنَ في زمنٍ أنصع ضوءِا، وأسرع حركةِ، وأمضى عقلا من ذي قبل، لا يأبه لتجاويف الماضي المنتجة للفرقة والتعطيل. فالفضاء السيبراني، بيئة رقمية لا تحتمل الغفلة، ولا ترحم الجهل المتوارث عبر الحسبِ والنسب وأبوية السلف.

بل يتطلب تغييرا في النظرة للحاضر والمستتقبل، وليس بانصياعٍ أعمى للماضي ومساربه المتضاربة في التخمين فقط، من دون دليلٍ علميٍّ مضيءٍ للرؤية.

                  دعونا نتخلّى قليلا، عن بدلة الأبوة المثقلة بغبار الزمن، ولنفتح الطرقاتِ، أمام الأبناء المنتشين برؤى وتقنيات عمل جديدة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، العابرة للخنادق وحقول الألغام والأسلاك الشائكة، للتعرّف على عالمٍ يسوده التعايش السلمي، وتلاقح الحضارات، والطمأنينة والسلام.

وشكرا لشباب الناصرية.. وهم يرفعون قلوبهم كتبا،

لنقرأ على صفحاتها، عالما أحلى، بسطورٍ ملونةٍ بلا حروب.