من خلال الإرادة القوليّة، تنتمي كثيرٌ من النصوص إلى وظائف تجريديّة، وفي الوقت نفسه يعتني النصّ بالمجرّد الذي يُعدّ أحد الركائز القوليّة في بنائه؛ إذ يتجاوز حدود التمثيل المباشر في نقل الوقائع نحو فضاءٍ دلاليّ مفتوح، وهو ما يسعى الباثّ إلى توطينه في المنظور الكتابي. ومن خلال ذلك تتحرّر اللغة من مرجعيّتها الحسّيّة، لتغدو أداةً لإنتاج التأويل والاعتناء بتعدّد المعاني. فالمجرّد لا يُلغي الواقع ولا البيئة المحيطة بالباثّ، بل يتيح تشكيلاتٍ جديدة ضمن أفقٍ رمزيّ وتأويليّ، وأفقٍ آخر يقودنا إلى ما وراء الواقع؛ ومن هنا يغدو النصّ بنيةً منفتحةً على قراءاتٍ متعدّدة.
إنّ الرغبة التي نعانقها تمثّل الهدف الممكن في وظيفة المجرّد؛ ومن هنا تدخل الذات في هذه الرغبة بوصفها فعلاً تواصليّاً بينها وبين الفعل النصّي. وتتمثّل وظيفة المجرّد بوصفه وسيطاً بين التجربة الذاتيّة واللغة، حيث تتحوّل الانفعالات والأفكار والحالات التشخيصيّة إلى صيغٍ لغويّة غير مباشرة، تتّخذ من الرمز والانزياح والاستعارة أدواتٍ لها. لذلك يسهم المجرّد في تعميق البعد الدلالي للنصّ؛ إذ تُرفض الجاهزيّة، ويُدفع المتلقّي إلى إنتاج المعنى عبر فعل التأويل.
(عند النهاية المعاكسة للسلسلة الاتصاليّة، لا تقل علاقة الرسالة النصّية بالقارئ عن علاقتها بالمؤلف. فحيث يتوجه الخطاب المنطوق إلى شخصٍ يحدّده الموقف الحواري سلفاً – لأنّه يتّجه إليك، أيّها المخاطب – يتّجه النص إلى قارئ مجهول، وضمناً إلى كلّ من يعرف كيف يقرأ. بول ريكور – نظرية التأويل الخطاب وفائض المعنى – ترجمة: سعيد الغانمي – ط2 لسنة 2006م، المركز الثقافي العربي، المغرب - ص 62).
ويرتبط المجرّد ارتباطاً وثيقاً بحركة اللغة داخل النصّ، كما يرتبط بفعل الإرادة؛ فالإرادة لا تميل إلى الإخفاق حين تندمج مع المجرّد. ومن هنا، فإنّ اللغة المجرّدة لا تستقرّ عند معنى واحد، بل تنفتح على التعدّد، مما يجعلها قابلة لإعادة التشكّل وفق السياق القرائي. وبقدر ما تكون إرادة المجرّد منفتحة، تكون إرادة الباثّ كذلك، متجاوزةً مبدأ الانغلاق. وكما يؤدّي فعل الإرادة إلى تأمّلٍ تأويلي؛ إذ أنّ (الهدف الذي من أجله نطبّق شيئاً ما يحدّد منذ البداية، وفي شموليته، المحتوى الفعلي والملموس للفهم التأويلي. ولا يعني "التطبيق" ضبط شيء ما كمعطى قبلي من أجل تخليص خيوط وصفيّة خاصّة. لا يحاول المؤمل، وبحضور نصّ ما، تطبيق معيار عام لحالة خاصة، وإنّما ينصبّ اهتمامه على الكشف عن دلالة أصليّة متوارية خلف المكتوب المراد معالجته. هانس غيورغ غادامير – فلسفة التأويل – ترجمة: محمد شوقي الزين – ط2 لسنة 2006م، منشورات الاختلاف، الجزائر - ص 39). وهو ما يمنح النصّ الأدبي حيويّته، ويخرجه من حدود الإغلاق الدلالي إلى أفق اللامحدود.
وفي هذا السياق، يرتبط المجرّد بعلاقة وثيقة مع الاختلاف، من حيث طبيعته ووظيفته؛ فتظهر الإحالة والأثر، ومن خلالهما يعمل الاختلاف - ولا سيّما الاختلاف اللغوي - على خلخلة المألوف، عبر تفكيك العلاقات التقليديّة بين الدالّ والمدلول، وإعادة تركيبهما في بنى جديدة تنفتح على المساحة الجماليّة. ويمكن أن نسمّي هذا الأثر «الدهشة الجماليّة»، التي تتجدّد باستمرار في هذا المنظور، بحيث لا يواجه المتلقّي معنىً مباشراً، بل يدخل عبر التفكيك في شبكةٍ من الاختلافات والإيحاءات والعلاقات التي تتطلّب جهداً تأويليّاً.
وعندما يدخل النصّ في دائرة التفكير، يتجاوز المنظور التعبيري المباشر؛ لأنّ المجرّد لا يقتصر على البعد الجمالي، بل يمتدّ إلى الأبعاد المعرفيّة، حيث يتيح للنصّ استيعاب قضايا كبرى لا يمكن التعبير عنها بلغةٍ تقريريّة، مثل: الوجود، والزمن، والهويّة، والعدم. ومن هنا تبدأ التحوّلات النصّية. كما يسهم المجرّد في تحقيق توازنٍ دقيق بين الغموض والوضوح داخل النصّ؛ إذ إنّ الإفراط في التجريد قد يؤدّي إلى انغلاقه، في حين أنّ توظيفه الواعي يخلق توتّراً دلاليّاً منتجاً، يدفع القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى.
ولا يقتصر دور المجرّد على تغذية النصّ معرفيّاً أو جماليّاً، بل يمتدّ إلى علاقته بالغموض أيضاً؛ إذ تُحدّد دلالة كلّ جملة عبر مقياسٍ يتشكّل من العلاقة بينهما، سواء من خلال تحديد بعض أجزاء النصّ أو تخييلها. ويكمن المشترك بين المجرّد والغموض في تداخلهما مع المرئي واللامرئي، ضمن حركةٍ إدراكيّة يضبطها البعد الزمني في فعل الفهم والتأويل.