اخر الاخبار

يعود د. (محمد كحط عبيد الربيعي) ـ في كتابه الصادر حديثاً: (أوراق سمنان المهملة: وثيقة ادانة للحروب ومشعليها ـ 2026)، وبعد 36 سنة ـ إلى أوراقه التي دونها حينذاك وحماها من الفقدان لينشر ما حوته، مماهياً معها ما لم ينمح من الذاكرة أو ينزو مغيباً في طياتها، ممعناً في توثيق مرحلة عاشها ومعه عدد من رفاقه الشيوعيين، وعانى مكابداتها القاسية، حين كتب لهم أن يواجهوا أقدارهم في رحلة غير معروفة المصير والعواقب، وفي ظروف تشير كل مخرجاتها أن فرصة النجاة قد تمر من خرم إبرة، كما يقول المثل الشعبي، فقد اشتجر فيها التغرب والخوف والسجن والوحشة والمطاردة والتمسك بخيط أمل يتسع حتى يقترب من يقين الخلاص، ويشف ويبهت حتى لا يبقى من أمل سوى التمسك باللحظة وارتهانها إلى ما سيأتي بعدها.

لا يمكن للقراءة المنصفة أن تمر على هذا الكتاب محايدة التقبل، فتغادره من دون أن ينتابها منه ما يقلقها ويستفز ذاكرتها، ويعيدها لاسترجاع كثير من وقائع السنوات التي مرت عقودها على العراق وأهله مدلهمة بالحروب العبثية، والموت المجاني والرحيل المباغت، والقلق الرازح المستبد، وضيق حبل الأيام على كثير مما كان لنا من الأمنيات والأحلام والرغبات، حتى خلا سجل التمني عند الكثير منا من أي شيء، سوى أمنية واحدة: أن يبقى على قيد الحياة، وأن يتنفس وجوده الأرضي مدة أطول، بعيداً عن كل أدوات الشر والطغيان الممعنة في سلب الإنسان حقه في الحياة ومشروعية عيشها كما يريد.

توقفت عند هذا الكتاب أكثر من قراءة منشورة وثقت وقائعه ومضامينه، واستعادت الجانب القيمي الذي ينادي به: أن يكون (وثيقة إدانة للحروب ومشعليها). ولكي لا نكرر مقولات القراءات السابقة ذاتهاـ على أهميتها وانشدادنا إليها، سنسعى إلى أن ندون تأملات مضافة، نوائم فيها بين ما كاشفنا الكتاب به ومقتطفات نقتبسها منه، توفر للتلقي مساحة من الاستنطاق والتأمل لما سبق قوله.

لقد وضع المؤلف مفردة (أوراق) في أول جملة عنوان كتابه، وهو توثيق دلالي وشعوري لحقيقة سيرورة تلك الكتابات المدونة، ففي تلك المرتهنات المنسية، من السجون  الإيرانية وسواها ـ كان من البداهة المؤكدة أن ألملقى في جوفها لا يمتلك أي مساحة من الحرية كي يقول ما يريد، أو يدون مشاعره وأفكاره علناً، إذ عليه التستر على (فعلته) في منأى من عيون القائمين على تلك المعتقلات الراصدة لكل فعل، ووشايات بعض السجناء المتزلفة لهم، فهنا، يقول الكاتب ص43 " كل حركة مراقبة، وكل لحظة تذكرنا أننا أشخاص بلا صوت، بلا خيار في عالم يفرض علينا البقاء بدون معنى".

وهكذا جاءت تلك الكتابات في (أوراق) حرص صاحبها على إخفاء أمرها قدر استطاعته، كي لا تنتزع منه وتصادر، ومن حسن الأقدار أن ذلك لم يحصل.

أما وصفها بـ (المهملة) فعندنا أن ذلك لا يعنيها هي ذاتها، وليس هو تقييمها عند كاتبها الذي كان دائم الحرص عليها، حتى لا تسلب منه أو يفقدها في أي من مراحل تنقلاته بين الأماكن المتباعدة والمعتقلات العديدة.

وطيلة تلك السنوات كان محتواها ـ يقول الكاتب، "يجثم على صدري كحمل لا يخف"، لأنها وثيقة كشف وشهادة يريد إيصالها إلى القادم من الأزمنة كي تطلع على هذا الذي وثقته وتعي قسوته، وتدينه.

وطبقاً لهذه القناعة فإن مفردة (المهملة) تذهب بتوصيفها نحو الآخرين ـ الأنظمة والمنظمات الدولية والإعلام ـ الذين لم يشغلهم ما كان يجري في تلك الأماكن المعزولة، ولم يتحروا عنها.

تيقن الكاتب وهو يعيد نشر أوراقه، وفي مكاشفة إنسانية دالة هي بعض من سجايا شخصيته ـ أن من مهامه التوثيقية أن ينفتح على المعاناة الجمعية للآخرين الذين كانوا معه في أتون تلك المكابدات، ولذلك سعى قدر استطاعته، وفي أشد المواقف ضنكاً أن يتجاوز المعاناة الذاتية وموجهاتها العاطفية التي كانت تندّ عنده عبر مشاركة همّها مع سواه من المقربين إليه، وتكريس منطوقها إلى حيث يأتي بضمير الجماعة.

لقد أفصح الكاتب، وهو يتأمل أحوال من هم معه في غيابات اعتقالهم، وما ينتابهم من مشاعر وأحاسيس وسلوكيات، ويوثقها في مدونته الورقية هذه، عن ما يخبر عن قيمة عليا ترسخت في شخصيته التي تطيل تأمل أفعال من هم معها وما حولها، وتعيد تشكيلها، وتكاشف التلقي بكثير من دوافعهم السلوكية، وبنزعة حيادية تؤجل قناعاتها الذاتية، مستبدلة إياها بكثير من التعاطف الإنساني والإصغاء النبيل للغير.

لقد أخذت به قناعته في أن يكون "المراقب والمسجل لأحوال الآخرين" إلى تأملات فيها كثير من التأشير السلوكي والنفسي لشخصيات أثارت اهتمامه وشغلته فوثق ما يتعلق بها، في تقص شديد التكثيف والاستيعاب لمؤثرات المكان وما يتولد في نفوس نزلائه من ضغوط نفسية تنعكس على سلوكهم كلما طالت مدة اعتقالهم، وتباعد الأمل بفرج قريب ينهي معاناة كل منهم، فهنا ـ طبقاً لما دونه الكاتب ص32 ـ "في هذا المنفى كل شيء يتداخل: الحكايات الشخصية تتشابك، وكل نزيل يحمل في قلبه تاريخاً من الصراع، من الوحدة، ومن التحدي الصامت. بينما تتسرب الأيام مثل مياه هادئة، ولكنها متجمدة. وكل ضحكة كل صرخة، كل تنهيدة لها صدى يمتد في أركان القاعة، لتبقى الروح معلقة بين القلق والأمل بين المنفى والحرية المجهولة".

ولعل فيما أورده الكاتب عن أحد السجناء، وكنيته (أبو سمير) ما يعكس عمق تأملات وتبنيه نزعة ذات منظار (سايكولوجي) يستقري من خلاله سمات بعض الشخصيات، وما آل إليه وجودها هناك، فقد أصبح (أبو سمير) هذا (ص52)"مزيجاً من العبقرية والجنون، الحلم والوهم، السلطة واللامعقول. رجلا تتقاطع فيه هواجس الظلم مع الأوهام السياسية والرومانسية المبعثرة مع المرارة، وعالمه الصغير في سجن سمنان يتسع لكل شيء، لكل قصة، لكل صرخة، أو ابتسامة، يترك أثره في كل من حوله، حتى على أكثر من حاولوا فهمه".

أما (شعلان، ص40) فكان "رغم مظهره البسيط يحمل في أعماقه غرابة مذهلة، تظهر أحياناً في حركاته، في كلمات يطلقها فجأة من دون توقع، فتثير الدهشة، ولكنه سريع التأقلم". وعلى هذا النسق من التقصي والرصد كان الكاتب يجلس في منتآه ليتابع كثيراً من الشخصيات من حوله ويؤشر طبائعها.

وإذ يماهي الكاتب ذاته في الخضم الجمعي من حوله فإن نزعة من فيوض تلك الذات ومكتنزها الثقافي والتعبيري تعلن، وفي أكثر من موضع في صفحات الكتاب، عن  مؤداها بلغة تنتمي إلى الشعر وجمالياته، كهذا النص الذي يتحدث عن مكان الاحتجاز (ص43): "وفي كل لحظة تصدر القاعة صوتاً وضجيجاً، كأن جدرانها تتنفس، وأرجاءها تردد أحزان وآمال النزلاء. كل نزيل هنا يكتب حكايته بصمت. هنا في (سمنان) أنت لا تسمع الوقت بل تشعر به، ترى كل شخص كأنه كائن معلق بين الحرية والمنفى، وكل صوت وحكاية تنبئك أن الحياة على الرغم من الظروف الباردة والمقفلة لا تزال تلد أملا".

وتتردد تلك النزعة الشاعرية في عبارات تخبر أن في أعماق من دوّنها شاعر تستحيل المحسوسات عنده إلى مماثلات تشبيهية تجسد الدلالة شعورياً وتعمقها:

ـ كأن حياتنا رسمت على خريطة بارده بلا قلب (ص 16).

ـ كأن الجدران تحتضن آثار الروح والهجر، لكن صمودنا في قلوبنا ظل يحترق،

وكل امل بقي كبذره صغيره في صدر الزمان" (ص19).

ـ كأنهما لا يحفران في الاسمنت بل في جسم الخوف نفسه (ص55).

ـ كأن الحرية نفسها تحتجز لتتعلم الصبر (ص57).

ـ يتمدد الحر ويغمر الأرواح كحبر يكتب قصص القلعة الصامتة (ص58).

ولم تكن تلك النزعة الشاعرية طارئة في شخصية الكاتب بل هي مما توافر عليه وأتقنه في كتابات نصية طالما أنجزها، ومنها هذا النص الشعري الذي يؤشر ـ في نسقه المضمر ـ نزوعاً يتطلع إلى الخلاص والحرية المأمولة، وقد أهداه إلى المناضل الخالد (نيلسون مانديلا) حين خروجه من السجن، بعد أن قضى فيه أكثر من سبع وعشرين سنة، ليجري لاحقاً انتخابه أول رئيس أسود لجهورية جنوب افريقيا:

"ارقص أيها الأفريقي رقصتك المفضلة.

ارقص أيها (النيكرو) فدونك النجوم وفوقك المقصلة. 

غني ايها الأسود ليسمعك مانديلا

فها هو يجوب المدن

تحييه القلوب، وترقص له الكنائس

فها هو يجوب المدن

تحييه القلوب وترقص له حمامات الكنائس…. (ص83).

فضلاً عما مرّ تأشيره فإن هذا الكتاب ـ حتى وهو يمعن في سرديته التي توثق جوانب من المعاناة الإنسانية التي انتهت إليها كثير من أقدار العراقيين، لتتوزعهم المنافي والسجون وغيابات الأماكن التي لا تصلها يد التعاطف، يحتوي من إشراقات ذائقة الكاتب وانتباهاته ما يمكن عدّه (أدب رحلة) واكتشافاً لأماكن كان بعضها (معادياً)، وبعضها الآخر (ملاذ) طمأنينة مؤقتة، شرعت للكاتب، ومعه رفيقاه ـ باب الأمل نحو الخلاص والحرية.

أخيراً.. فإن متون هذا الكتاب الذي استعاد فيه الدكتور (محمد الكحط) ما حملته متون أوراقه التي لم يهملها يوماً تقدم لنا تجربة انسانية وأدبية جديرة بالقراءة والتأمل والفخر بوقائع من سيرة مثقف ومناضل عراقي التاذت أوراقه طيلة تلك السنين بيقينه أن سيأتي اليوم الذي ينشرها فيه.